الجمعة، 29 أبريل 2011

شى الله يا سيدى عبد الرحيم يا قناوى

أى ببركة صاحب المقام .. أن تتحقق الدعوة لله ..

واسطة بين العبد و ربه يعتقد بمصداقيتها ملايين المصريون الطيبون .. و الهدف برىء و نقى ..
 يرجونه أن يعضد دعوتهم و يساندها عندر ربهم .. لما لهم من فضل و قبول عند الخالق العظيم .

" آلا إن اولياء الله الصالحين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون  " .

عندما كنت طفلاً .. إصطحبنى جدى الريفى إلى الجامع الحسين .. لأداء صلاة الجمعة ..   و قد كانت عادة عنده أن يقوم بزيارة الضريح المبارك كلما أتى لزيارتنا بالقاهرة .. و عندما فرغ من الصلاة .. أمسك بيدى .. و إنضم للجموع المتدافعة لتدور حول الضريح .. بادرنا شيخ مشيرا بيده لإتجاه الدوران .. و رأيت الناس يهللون و يبكون .. و يتمسحون بالمقام .. ثم يمسحون على وجوههم و صدورهم .. و توقف جدى عند أحد الأركان و رفع كفاه إلى السماء و أغمض عيناه .. ثم غرق فى تمتمات لم أتمكن من سماعها بالطبع .. واتتنى رغبة عارمة فى تقليدهم .. فأخذت أتلفت حولى .. و تأكدت من أن أحداً لا يرانى ..  و فى لمح البصر كنت قد مددت كفى إلى السور النحاسى الذى يحيط بالضريح و مسحت عليه .. ثم  أعدتها ثانية بجانبى .. و نظرت إلى جدى فرأيته لا يزال مشغولاً بدعائه .. فتأملت كفى خلسة .. فوجدتها مغطاه بطبقة تشبة الزيت اللامع ..  فزاد فضولى لكى أمسح بها وجهى كما يفعلون .. و لكن فاجأتنى الرائحة النفاذة التى إلتصقت بها .. كانت خليطاً من القرنفل و البخور و المسك .. هكذا ترجمها عقلى الصغير ساعتها .. فلم أستطع ان أضعها على وجهى .. ثم فرغ جدى سريعاً .. و أخذنى خارجاً .. وسط زحام الناس و أصوات شيوخ
 يقفون عند الأركان .. يصيحون : إسعى .. وحد الله ..

و بقيت أتساءل عن جدوى ما فعله جدى .. و لكن الضباب كان يحيط بدماغى الضئيلة .
عندما مرت السنون فى عمرى .. و غالبتنى هموم الحياة .. وجدت نفسى متجهاً إلى ضريح السيدة نفيسة .. و كنت قد سمعت الكثير عن بركاتها .. و أنها ختمت القرآن فى قبرها مرات عديدة .. هذه المرة لم أخجل أن أمد يدى و ألمس النحاس المحيط بمقامها ..  و تعلقت عيناى بالقبة الخضراء التى تعلو القبر و الوشاح الأبيض الملفوف حولها .. كانت دائماً تذكرنى برأس مغطى بعمامة .. و عندما توقفت بجوار المقام .. مستحضراً ما رأيت  من جدى رحمه الله .. لم أستطع  إلا أن أقرأ الفاتحة .. و أن أدعو لصاحبة المقام ..

 من أنا لكى أدعو إليها ؟؟

 هكذا سألت نفسى عندما خرجت إلى صحن الجامع .. و أسندت ظهرى إلى أحد الأعمدة الرخامية .. و بكيت كثيراً ..

و عندما خرجت إلى الحياة ثانية .. كنت أملك كل الحلول .. !

غسلت رحلتى ما بجوفى من عناء .. و مسحت عن عقلى الضباب ..  قد يكون بسبب بركة صاحبة المقام .. و لكن بالتأكيد كانت علاجاً نفسياً .. ساعدنى على رؤية الأشياء فى أماكنها الطبيعية .. و قتلت أشباح اليأس و عفاريت الإستسلام .

 سيعتقد الوهابيون .. أو السلفيون .. أياً كان ما يسمون به أنفسهم أو نسميهم نحن .. سيعتقدون أننى مرتد و مشرك بالله .. لو رأونى أفعل ذلك .. و قد يقيمون الحد على أمثالى .. و يحاولون هدم الضريح الطاهر لو إستطاعوا ..

- تفسير هذه الأيه قد تدحض إدعاءاتهم و فكرهم .. و قد تؤيدها أيضاً .
و لكنهم لا يعترفون بحقى فى التفسير .. و لا إتباع قلبى .. و لا يستطيعون هم أنفسهم أن يعملوا عقلهم.. أو إستفتاء قلوبهم فتفسيرات إبن تيمية و إبن القيم الجوزية .. هى نبراسهم و قانونهم الوحيد فى الحياه .. عندهم توقف التفكر و الإبداع .. و صار من يعارضهم .. أو يختلف معهم ..  هو كافر أو مرتد أو مشرك .

- لم يفسر الرسول الكريم آية واحدة من القرآن طيلة حياته .. فلو فعل هذا لأغلق الباب على كل مفكر أو باحث طيلة الحياة .. فأطلق بذلك إعمال العقل و الفؤاد فى تفسير ديننا الحنيف حتى نهاية العالم .. و لم يوقفه عند أحد أبداً .

ألم يسأل الوهابيون أنفسهم يوماً .. لما فعل الرسول ذلك ؟

- توجهت الحركة الوهابية السلفية .. منذ بدايتها حتى الآن .. ضد المسلمين بصفة أساسية .. و كان تحالفها مع النفوذ و القوة .. بمثابة إستراتيجية للحياة و الإنتشار .. و خرجت خارج حدودها الضيقة لتنتشر حقاً بحد السيف .. فإصطبغت بالمطامع و التوسع لتصبح حركة سياسية بالمقام الأول .. حتى و لو كانت نية مؤسسها غير ذلك .. و لكنه فى سبيل نشر دعوته التى آمن بها حقاً .. أو مجده الشخصى .. تحالف مع الشيطان نفسه ..

الدم بالدم و الهدم بالهدم .. و أما الأموال .. فلعل الله يعوضه بخير منها !!

- هكذا كان رد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الأمير محمد بن سعود .. عندما طلب منه أن يبقى معه و يؤازره فى توسعاته .. مقابل الحماية       و نشر الدعوة الوهابية .
- كان إتفاقاً سياسياً إستراتيجياً بالدرجة الأولى .. و معاهدة هجوم مشترك على جيرانهم .. المسلمين أيضاً .. من أجل المجد السياسى     و الدينى معاً .. و إغتراف الأموال منهم .. لبناء الدولة السعودية الوهابية .

و عندما إنتهت الحركة على أيدى ( المصرى ) .. إبراهيم باشا فى موقعة الدرعية بعد سنوات من الكر و الفر .. بقيت كامنة فى صدور البعض .. حتى تأسست الدولة السعودية الحالية على الفكر الوهابى .. و كانت ضماناً لبقاء  آل سعود فى سدة الحكم .. مستغلين إنشغال الجارة الكبرى مصر .. فى صراع التاريخ ..

ثم حاولوا تصديرها إلينا فى العشرينات على أيدى محى الدين الخطاب .. عسى أن ننصرف عن مقاومتهم أو الإنضمام إليهم يوما ما ..  و لكنها لم تلق القبول الكافى فى مجتمع كان ثائراً ضد محتل غاصب .. و له أولويات أخرى .. غير الرفاهية الدينية ..
و بعد أن قاسى الوهابيون المصريون الأمرين .. فى عهد نظام مبارك البائد .. و تكفلت أمن الدولة بتعذيبهم و إيداعهم السجون .. حتى أنه قد جاء يوم .. كان كل من يصلى الفجر فيه فى المسجد .. يمتلك ملفاً فى جهاز أمن الدولة .. أصبحوا الأن بعد زوال النظام .. أخطر ما يهدد مدنية الدولة المنتظرة .. يساعدهم أمراء الخليج بأموالهم و دناءتهم و خوفهم من إقتلاع عروشهم .. إذا ما كتب لثورتنا النجاح .. فالخطر الوحيد الذى يستطيع تهديد ملكيتهم و إستعبادهم لبلادهم يأتى من هنا .. من المحروسة .

فأصبحوا بالتبعية .. الخطر الوحيد الذى يهدد ثورتنا أيضاً ..

قال مفتى السعودية عبد العزيز آل شيخ : إن كل الإحتجاجات و الثورات فى العالم العربى .. هى مؤامرات غربية على الأمة الإسلامية .

-  و لكنهم يحتاجون إلى غطاء لدخولهم المعترك السياسى الذى لا يفقهونه ..  
- فى تصريح للجزيرة مباشر .. قال الشيخ محمد حسان : الإخوان هم الخيار الأول ..         و الأقرب .. و نحن نثق فيهم و فى حرصهم على الدين .. و لأنهم أصحاب خبرة و باع طويل فى العمل السياسى .. فالطبيعى أن نتعاون معهم ..

و فى قراءة سريعة لهذا التصريح .. يبدو لنا أنهم أولاً قرروا الدخول إلى المعترك السياسى .. و ثانياً كانت لهم خيارات أفضلها الإخوان .. ثالثاً أن أولوياتهم هو الحرص على التحالف مع من يخدمون أهدافهم .. 

- فى تصريح آخر : السلفية لا بد لها أن تراجع نفسها فى الكثير من المواقف .. و على رأسها العمل السياسى و المشاركة فى الإنتخابات .

- السلفية حركة سياسية إذن .. و مع أنهم يرفضون النظام الديمقراطى الذى يعتبرونه       ( إستيراد ) .. فقد قرروا فى بيان صدر عن الدعوة السلفية بمدينة الإسكندرية مؤخراً .. بالمشاركة الإيجابية فى العملية السياسية .. و أنهم بصدد تحديد الخيار المناسب لصورة هذه المشاركة .

- لما فاجأهم طموح الإخوان الأقوى .. إنبروا عنهم .. و إنشغلوا فى محاولات إثبات قوتهم و تأثيرهم على المجتمع فى أحداث مستفزة .. مثل هدم كنيسة أطفيح أو قطع أذن راجل غلبان .. و أخيراً محاولة تأجيج عامة الشعب فى قضية كاميليا ..فلن يرضى مسلم على وجه الأرض ان تحتجز مسلمة فى كنيسة !! ..

- الجيش لن يرفع سلاحاً فى وجه مصرى .. هذا إختياره الإستراتيجى من البداية ..         و سيظل كذلك حتى إنتهاء الإنتخابات .. فلا تعولوا عليه فى وأد حركتهم .

- لن تنجح الوهابية إلا بزعيم يعملون خلفه و به .. يتبادلون معه المنافع .. هكذا علمنا التاريخ .. و عندما تجدون من يداعبهم من مرشحى الرئاسة .. فإستشعروا الخطر الشديد على المدنية المرغوبة ..

من دعاء رسول الله ( ص ) :
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .

الأحد، 10 أبريل 2011

الجلاسنوست و البريسترويكا


كان شعاراً إتخذه الزعيم السوفيتى  ( ميخائيل جورباتشوف ) لفتره حكمه التى بدأت فى نهاية ثمانينات القرن الماضى و إستمرت لمدة ثلاث سنوات فقط .. تغير العالم كله من بعدها ليصبح عالم القطب الأوحد .. 
الجلاسنوست .. تعنى المصارحة أو المكاشفة .. و هو التعبير الذى إعتمده جورباتشوف كنقد للذات أو لتعرية النظام السوفيتى الشمولى أمام الشعب .. لمحاولة فهم أخطاء  الماضى و عيوب النظام .. حتى يكون ذلك بداية للمرحلة الأهم .. و هى البريسترويكا .. و تعنى .. الإصلاح .. 
فشل جورباتشوف فى إحداث نقلة للإتحاد السوفيتى .. تسمح له بالبقاء فى مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية كقطب ثان .. بل إنه تسبب فى تفكيك الإتحاد السوفيتى نفسه .. فالميراث كان أصعب من أن يتحمله الإقتصاد الهش .. و البريسترويكا كانت منصبة على المجال السياسى و أهملت تماماً الجانب الإقتصادى .. و لكنه فاز بجائزة نوبل فى النهاية ! .. و يبدو أن ذلك كانت مكافأة الغرب على قتل جورباتشوف لصداع المعسكر الشيوعى المسلح نووياً  !!
عندما تولى السيد / عصام شرف منصب رئاسة الوزراء .. تركز إهتمامه كله .. فى الجانب التنموى و الإقتصادى .. و محاولة تدارك      و تقوية ما تبقى من دعائم الدولة ..  و إهتم أيضاً برسم إستراتيجية جديدة لسياسة مصر الخارجية .. بإهتمامه القوى بوادى النيل .. و الوقوف أمام الصلف الإسرائيلى المعتاد .. و للحق .. فإن أداء الرجل فى أيام قلائل كان رائعاً  فى مختلف الملفات التى طرقها .. و لمسنا من أعضاء وزارته .. جهداً وفيراً .. أعاد لنا معنى الحكومة الوطنية .. بغض النظر عن إستنكارنا لوجود بعض أعضائها .. فهذا إلى حين ترتيب الأوراق .. حسب إعتقادى ..!
كانت البريسترويكا إقتصادية الهوى عند السيد / عصام شرف .. فحتى إصلاحاته السياسية المحدودة كانت خارجية فقط و محددة للغاية .. فنحن لا نعلم حتى الأن الملامح الأساسية لمستقبل علاقاتنا مع الغرب و أمريكا .. أو حتى المملكة العربية السعودية على سبيل المثال !! .. مع أنها ملفات ساخنة للغاية ..  لا تحتمل التأجيل ..
لم يذهب السيد  / عصام شرف بوزارته إلى أبعد من الإصلاح .. فى الوقت الذى كان ينتظر من رفعوه على أعناقهم فى ميدان التحرير بصفته واحداً منهم ..  أن تكون حكومته ( ثورية ) تغير بداية و تصلح ثانية .. تهتم بتخليص البلاد من سرطان متغلغل فى جسدها  بعملية جراحية .. و لا تعرضنا للعلاج الكيماوى ..
قد يكون الرجل بريئاً .. فقد إحتفظ المجلس العسكرى لنفسه منذ اليوم الأول لسقوط مبارك .. بشعار حماية الثورة .. و تحقيق مطالبها .. و لكن على مايبدو أنه كان له رؤيته الخاصة فى ذلك !!
وحده السفيه من لا يفترض وجود ضغوطا خارجية قوية للغاية على المجلس العسكرى تكبل من حريته فى إتخاذ الخطوات السريعة اللازمة لإتمام ثورتنا الطاهرة .. وحده الأحمق من يتخيل أن الغرب يريد لنا ديمقراطية و إصلاحاً يجعلنا مركزاً لتغيير الأنظمة العربية   و تجديد إستراتيجياتها .. و منظورها للتكامل و الوحدة .. مما يجعل هذا الكيان الذى يولد الأن يهدد زعامة الغرب كله بدون أدنى مبالغة  .. و أعود لما إستذكره أبناء جيلى فى مواد التاريخ الذى زُيف حديثاً .. عما يستطيع فعله شعب واحد يبلغ الأن ما يقرب من ثلاثمائة مليون نسمة .. لهم ثقافة واحدة و تاريخ واحد .. و لغة واحدة .. و تتلاصق أراضيه .. و تحوى أكبر إحتياطى للطاقة فى العالم كله .. و حده الغافل من ينكر مدى تأثير مصر فى جاراتها .. و تهديد الديمقراطية القادمة لعروش و ممالك تحيط بنا و تجثم على صدور شعوبها منذ سنوات طوال .. 
أما الضغوط الداخلية .. و التى تتميز بالقذارة فى كل الأحوال .. من إشعال فتن طائفية .. و دعايا للفزاعات الإسلامية المختلفة ..    و تخويف بالجوع و القهر من جديد .. و شماتة فى قيمة تضحياتنا و شهدائنا .. و نشر الخوف لأطياف دينية بذاتها فى داخل مجتمع واحد .. تلك الضغوط .. إجتمعت مع مثيلتها الخارجية  على هدف واحد .. ألا و هو وأد الثورة .. التى إشتعلت فى صدورنا ..           و يحميها جيشنا العظيم  .. وحده يحتمل تبعاتها .. و حمايتها من كل الشرور الداخلية و الخارجية .. 
و لكن بطريقته هو !! 
تساءلت كثيرا عن ماهية تلك الضغوط .. و مدى قوتها الجبارة التى تجعل المجلس العسكرى فى موقف إتهام دائم من شباب الثورة .. الذين تركوه شهرين كاملين يراقب فيهم أداؤه .. و قراراته .. البطيئة .. و المترددة .. و التى لا تتعدى القبض على رمز من رموز النظام السابق قبل ليلتين من كل جمعة مضت ؟؟!! و ترك رأس النظام فى منتجع باراديزى فى أجمل مدن المحروسة ؟ 
أين الجلاسنوست إذن ؟!
لماذا لايصارحنا المجلس العسكرى بماهية تلك الضغوط و طبيعتها ؟؟ 
لماذا يتحملها وحده ؟
أليس الشعب و الجيش : إيد واحدة ؟
عاد الشباب إلى الميدان .. عادوا ليحاكموا رأس النظام بأنفسهم .. برغم  إعتقال أحد أهم الرموز كالعادة قبل يومين .. و تصريحات مخدرة عن بدء التحقيقات مع رأس النظام و إبنه و معاونه الأكبر .. فكان يوماً عصيباً للبلاد كلها شعباً و جيشاً .. 
كانت جمعة المحاكمة و التطهير ..
لم يستطع الثوار الإنتظار أكثر .. فدماء الشهداء لن تجف إلا بتمام ما ماتوا من أجله .. و رفاقهم الأحياء .. أقسموا على ذلك ايضاً .. 
ثم كان ما كان .. أصاب الشك بعضاً من ضباط الجيش أيضاً .. فإندفعوا تحت تأثير الوطنية المخدرة إلى صفوف الثوار .. خيل لهم عقلهم الشهادة كهدف .. و طمأنتهم قلوبهم بحماية الثوار لتهورهم فى سبيل الشهرة و إثبات ثوريتهم !!! و هناك سابقة شومان ..

قد يكون من أشعل ذلك فيهم و أقنعهم بجدواه .. يضحك الأن فى بيته .. و معه اليسير مما يؤمن له حياته و لو على حساب حياة زملائه .. فتش عن قذارة الفلول الطليقة .. 
أخذتهم الحماسة إلى أن يعتلوا المنصات بزيهم العسكرى الشريف ليتحدوا قادتهم .. بل و هجائهم أيضاً و مطالبتهم بالعزل             و المحاكمة ..!! فأفسدوا يوماً جميلاً يؤرخ فى صفحاتنا .. 
هو إنقلاب إذن ...؟؟ هل يحتمل الوطن ذلك ؟؟ 
قامت الشرطة العسكرية بالقبض عليهم و إدخالهم إلى مبنى المتحف المصرى  - وريث مبانى مباحث أمن الدولة الأن - فإندفعت الجماهير لمؤازرتهم .. و الجماهير فى كثرتها لا تؤتمن .. فتم إطلاق سراحهم ثانية ..
من المؤكد بعد التحريات و التعرف على شخصياتهم الحقيقية .. 

فى الخامسة .. بدأ إنصراف الثوار كما تم الإتفاق عليه .. فالإعتصام مرفوض من جميعهم .. فقط هم يريدون إيصال الرسالة للمجلس العسكرى بأن الثورة لم تموت .. و شعورهم بأن المجلس لا يتخذ خطوات فعلية إلا تحت وطأة ضغط الميدان ..

 أعيب عليهم إحتواءهم لهؤلاء الضباط .. أياً كانت أهدافهم و شخصياتهم الحقيقية .. فتجنب المواجهة مع جيشنا .. هو قرار إستراتيجى منذ البداية .. حتى بفرض أعتقد بإستحالته عن تواطؤ الجيش مع النظام السابق .. 

لم يكن للضباط حلاً غير إكمال ما بدأوه .. شخوصهم أصبحت معروفة للجميع .. هروبهم لا يجدى .. و أملهم الوحيد فى النجاة هو الإحتماء بمن قرروا الإعتصام .. تحت تأثير الأدرينالين فى عقولهم .. 

عند إقتراب موعد بدء سريان حظر التجوال .. بدأ ضباط الجيش فى تحذير المعتصمين بضرورة إخلاء الميدان .. و تذكيرهم بعقوبة إنتهاك حظر التجوال .. و لكن أحداً منهم لم يستمع ..خجلهم من بعضهم البعض .. جعلهم يدفنون خوفهم من بطش الجيش بهم  فى القلوب .. و إصطنعوا شجاعة فى مواجهة آلة عسكرية .. يدركون جميعهم مدى قوتها ...! 

لن يسمح المجلس العسكرى بإعتصام الضباط فى كل الأحوال .. فالتمرد داخل جيش مثل الجيش المصرى .. يدمر قارة بأكملها ..

  و ما أن بلغت الساعة الثانية و النصف .. حتى كان الجيش قد أعد عدته لغزو الميدان .. و الهدف الوحيد .. القبض على الضباط المتمردين .. و هم فى الغالب لا يتعدى عددهم ثمانية .. بعد الفحص  و التدقيق .. 

كانت الخطة تقضى بدفع عدد كبير من الجنود المتسلحين بأجسادهم فقط .. لغزو الصينية الدائرية المتوسطة للميدان .. مع إطلاق نيران كثيفة فى الهواء .. تبث الرعب فى قلوب المعتصمين .. مشاركة مع  دبيب أقدام جنود الأمن المركزى .. الذين شكلوا خطاً خلفياً لجنود القوات المسلحة .. هرب من هرب .. و ثبت من ثبت .. و لكن كانت كل المخارج محاصرة بإحكام .. لا يسمح بهروب الضباط المتمردين .. 

كان مشهد النهاية مأساوياً للغاية .. فالمعلومات تؤكد مقتل ضابطين من المعتصمين .. و القبض على بقيتهم .. أو إحتمال تمكن إثنان منهم من الهروب .. بالإضافة إلى مقتل معتصم و جرح أكثر من سبعون آخرين .. 

تحولت جمعة المحاكمة و التطهير .. إلى الجمعة الدامية .. 

ثمن صمت المجلس أصبح مكلفاً لنا جميعاً .. أغلاه : تزايد الشكوك و إنعدام الثقة فى المجلس المهيب ! 

إلى ماذا يقودنا الصلف و العناد ؟؟ 

جيشنا العظيم .. نحن منك .. و أنت منا .. كلنا فى قارب قد يفرد الأشرعة و يمخر عباب التقدم و الإزدهار .. و قد يغرق سريعا بكل من فيه .. فقط بعض المصارحة قد تنجينا  .. 

و تفهماً منكم لأمالنا فى رفعة وطن يحتوينا جميعاً .. قد يمنعنا من أخذ الصور التذكارية مع الأظرف النحاسية للرصاصات الفارغة .. بعد الدبابة و الأصبع الملون .. !

الأحد، 3 أبريل 2011

أبى فوق الشجرة

 نفتقد الأب دوماً فى حياتنا .. بحكمته و قدرته على مواجهة مشاكلنا الحياتية .. بل و إستصغار ما نعتقده مصائب .. ليجد لنا طريقاً نغفله فى معظم الأحيان ..
و لكن أن تكون أباً لشعب بأكمله .. فهذه مصيبة  نستصغرها نحن أفراد هذا الشعب  .. و أكبر من قدرات الأب الذى إرتضيناه لأنفسنا .. فى ثقة لم تلبث أن شابها القلق و التوجس بمرور الأيام ..

قرار المجلس العسكرى بمواءمة كل الأطياف .. و فتح الميدان أمام كل الفوارس .. جعل الأصوات العالية للإخوان و السلفيين تعلو .. و تخرج من جحور سكنتها طويلاً .. فبدوا لنا و كأنهم يمتلكون زمام الأمور .. و يتحكمون فى مصيرنا .. و رسخ فى إعتقاد البعض .. أن الجيش يدعمهم و يؤيدهم ..
بل هناك من تأكد من أسلمة الجيش أو سلفيته !!

كان أباً حانياً فقط .. يرفض أن يقسو على أبنائه !! هكذا يشعر ..

عندما كان الثوار يقومون بتنظيف الشوارع .. كانت كل الذئاب تفتش عن قطعة لحم لإفتراسها من جسد بلادنا ..
بإبتسامة فى قلوبهم راقبوا كل الطامعين .. بثقة قلقة فى قيادة إرتضوها لأنفسهم .. و لبلادهم .. تركوهم يكملوا ما بدأوه .. و إنعزلوا عن مجتمع أصبح كل أعضاؤه ثواراً و سياسيين  ..

يرفض الإخوان التصريح بأعدادهم الحقيقية دائماً .. ذراعهم القوية من شباب مصرى فتى جميل ذهب إلى التحرير ضد توجيهات قيادتهم التى أكدت مراراَ عدم مشاركتها بالثورة .. زادوا عن الجميع يوم موقعة الجمل الشهيرة .. طلبوا الشهادة يومها فداءً لمصر كلها .. عاشوا أياماً فى تصالح ملائكى مع أندادهم المصريين من كل الإتجاهات .. صلوا فى دائرة تحميها سواعد إخوتهم المسيحيين ..  فحاولت قياداتهم إستغلال هذا فى تسويق زعامتهم للثورة كلها .. و بآلة دعائية كبيرة يمتلكونها .. حاولوا تأكيد إشاعة النظام السابق عن قوتهم و تنظيمهم ..
هم (( الفزاعة )) التى تمكنت من كل شىء .. صدقوا ذلك عن أنفسهم عند إنكشاف الساحة .. 

أما السلفيون فأطيافهم العديدة .. لن تسمح لهم بالإتحاد أبداً مهما زادت أعدادهم .. و لكنهم يتحكمون فى آلاف المنابر و الزوايا فى قرى و نجوع المحروسة .. يسقون معتقداتهم لأفواه فقيرة واعية .. و لكنها لم تتذوق غير حديثهم عن الجنة و النار .. و للحق .. فإعتقادهم الراسخ بتفسيراتهم الدينية .. هى أقوى ما يميزهم .. والخوف من الإقتراب منهم .. جعلهم أيضاً ينفرون من كل ما يتعارض مع عقيدتهم .. وعندما أدركوا عدم قدرتهم على مواجهة المجتمع وحدهم .. و إرساء قواعد الدولة الإسلامية كما يرونها .. حاولوا الإتحاد مع الأخوان .. و عند توزيع الأدوار .. صار بينهم قتالاً .. لمن تجب الزعامة ؟؟

أتذكر قرارا صدر من النظام السابق .. بتعيين شيخاً أزهريا فى كل الجوامع .. و لكن الأزهر أصابه الشلل و التسـييـس منذ سنوات طوال .. فأصبح موالياً للدولة .. و غفل عن دوره الدعوى و التنويرى .. ليستمد قراراته من قاعدة : فأطيعوا أولى الأمر منكم !!

قال أحد  ناشطى الأقاليم .. إن كلمات مثل الديمقراطية أو المدنية أو الليبرالية .. أو أى كلمة تنتهى بالحروف ( ية ) .. هى مرادفاً للكفر و الإلحاد فى قريته النائية الصغيرة .

ساعدت الكنيسة أيضاً فى صناعة وهم الخوف الكبير الذى إعترى المجتمع المسيحى .. بل و قدمت خدمات جليلة للتيارات المتأسلمة .. بتدخلها العلنى فى السياسة .. و محاولة التوجه نحو رفض التعديلات الدستورية .. فجاءت النتيجة عكسية تماماً .. فلا رفضت التعديلات .. و لا ذهب المسيحيون للإستفتاء !! .. ثم تفتقت الأقمار الصناعية عن رجل الأعمال المسيحى الشهير .. الذى أصر على الظهور و الإفتاء بأراء علنية .. فساهم فى عزلة المسيحيين عن الوطن .. و إعتبارهم كتلة دينية .. !!

يعتقد الإمام الغزالى الأكبر –رحمة الله عليه – أن نور الله يأتى إلى أرضنا هذه عبر أجساد الصوفيين .. لولاهم .. لإختفى نور الله .. و ما أعظمه من نور .. هم درع يقينا من شرور التطرف .. إن قرروا النزول إلى ساحة المعترك الكبير .. و لكنهم فى عموم الحياة لا يأبهون  حقيقة .. هم فقط يبحثون عن الله ..

أما الليبراليون فقد تقوقعوا أمام شاشات مضيئة يحسبونها العالم الوحيد .. يتحادثون  فى أشياء يؤمنون بها
جميعاً .. ؟!! .. و الفاعلون منهم .. يحاولون إنشاء ألف حزب .. يختلفون فى الأسماء ويتشاركون فى أمل التكتل لمواجهة التيارات الدينية .. تبتعد عن عقولهم فكرة الحزب الأوحد .. فحب الوطن أضعف كثيراً من أن يجابه بريق السلطة فى قلوبهم .. رهانهم على إعجاب الجماهير .. أو تأثرهم بالحديث المرتب العلمى .. أزعم أن معظم الطوائف لاتفقه شيئاً منه .. غير أن رباطات العنق ( السينييه ) لها جاذبية شديدة .. تنطفىء سريعاً .. إلا فى أعينهم ..

الكل يؤمن بسلامة نظريته فقط .. الكل يريد الإستيلاء على الكعكة وحده .. لم يظهر فى الأفق أياً من بوادر المشاركة بين القوى المختلفة .. أو حتى إحترام يكفل بالمصالحة و التوافق على حب الوطن و إتساعه لنا جميعاً ..

 ألسنا كلنا مصريون ؟

مازال الأب يشاهد أبناؤه من فوق الشجرة .. تنصيبه أباً أزعجه بشده .. آثر تجنب المواجهة دائماً .. حتى مع فلول الطغاة .. لا يترك فرصة للتخلص من مسئولية ما .. إلا و إنتهزها .. لم يقترب من منطقة خطرة أبداً .. تركها لصراع أبنائه .. فصارت أفعاله غامضة بطيئة .. تجعل الهمسات  عنه تعلو لتصبح كلاماً ثم صراخاً .. لن يعلن الأب عن ضعفه أبداً .. و لن يفعل شيئاً بدون ضغط .. هو بالكاد يتحمل ما يمتلكه من ضغوط ..

أما الغرب الرومانسى فى إعجابه الشديد بنا .. و إبداء إنبهاره الكامل بالحضارة و الرقى لدى شعبنا .. فلن يألو جهداً فى محاولة وأد تقدمنا أبداً .. تذكروا التاريخ ..

أتذكر تخبط الرئيس الأمريكى .. و الفزع على وجه نتنياهو .. فى بداية ثورتنا ..

كان لابد أن يعود الثوار إلى الميدان .. فكل شىء حولهم هراء .. هم وحدهم من يدركون عظمة إنجازهم ..
 هم وحدهم من يملأ حب الوطن وجدانهم .. هم من لا يطلبون مقابل ..

هم من آمنوا بأنفسهم .. و بإستحقاق بلادهم للريادة و التقدم ..

هم من قدموا إخوتهم شهداء .. و أقسموا لأمهاتهم بألا تضيع دماؤهم هدراً ..

هم من هتفوا ..
إحنا المصريين أحرار .. إحنا المصريين ثوار .

و لسوف تكتمل ثورتهم .. بيقينهم الراسخ .. و إيمانهم بمصريتهم المتفردة .