- الحقيقة أن العقل لا يستطيع أداء روتينه المعتاد إن كان الجسد جائعاً .. فما بالنا بالإبداع الذى يتطلب الكثير من هدوء النفس و راحة البال و الإبتعاد عن هموم الحياة ؟
و فى وطن أحوج ما يكون الآن إلى التفكر و الإبتكار للخروج من ميراث القهر و الظلم و الفقر و المرض .. فلابد من إشباع بطون أولاده أولاً .. حتى نستطيع إعمال العقول فى مشاكلنا المتراكمة عبر سنوات طوال .
- قبل الثورة .. كان إفساد التعليم و تأجيج الفتنة .. أشياء من بديهيات إستراتيجية النظام السابق .. فضلاً عن نشر العشوائيات وسط المدن .. و خفض رواتب أفراد الشرطة لدرجة يستحيل معها العيش بحد أدنى من الكرامة .. فيدفعون دفعا إلى الفساد .. و يتحولون إلى سياف مسلطة على الرقاب .. و من إستمسك منهم بشرفه و كرامته .. كان الضغط المتولد من كثرة الأعمال يحوله لكائن بلا إحساس ..
ناهيك عن إحتكار تصدير و إستيراد كل السلع الإستراتيجية بأسلوب التخصيص لفرد من عصابتهم .. و تقسيم الأرباح بينهم خاضع لكوتة معروفة ذات بناء هرمى مقلوب .
فهل كنا شبعى ؟؟
كلنا يعلم أن من إستطاع فى الماضى توفير حياة كريمة لعائلته .. فقد كان ثمرة إجتهاد شخصى و معانة و كبد لا يقوى عليها أى فرد فى المجتمعات الحرة التى تؤمن بقيمة المواطن و حقوقه .. قبل أن تطالبه بواجباته .
إنتشرت مزحة فى الأوساط الثقافية عبرت جيداً عن حال أفراد المجتمع المصرى وقتها .. و كانت أن وجه صحفياً أمريكياً سؤالاً لمواطن مصرى بسيط :
- ما هى أحلامك فى الحياة ؟
فرد المصرى : أريد الستر و أن ينال أولادى تعليماً جيداً .. و علاجاً رخيصاً .
فسأله الأمريكى ثانية : أنا أسألك عن أحلامك .. و لا أسألك عن حقوقك !!
ألم يشكل التعليم عبئاً علينا جميعاً على كل مستويات المعيشة .. حتى الحكومى منه ؟ ألم يكن من يمرض فقيراً يتمنى الموت ؟ و من مرض غنياً .. يفلس ؟
ألم تكن صنابير المياة تفرز وابلاً من الأمراض .. جعلت مصر فى المرتبة الأولى من حيث إنتشار الفشل الكلوى و فيروس C على مستوى العالم أجمع .. و بفارق كبير عن صاحب المركز الثانى ؟
و فى معاناتنا السابقة ... و التى للأسف الشديد لا تزال مستمرة .. بل زادت للغاية .. يستطيع أياً منا أن يؤلف كتاباً بسهولة و يسر .. و بدون إستياق معلومات إحصائية ..حجبت عنا عمدا .. و لم تزل .. حتى لا يدرى أحداً منا حجم المأساة التى يساق إليها الوطن يوماً بعد يوم .
ألم نكن فى إنتظار ثورة للجياع ؟
أنقذنا شبابنا الواعى من تدمير الوطن لذاته .. أنقذونا من غضب الجياع .. الذين يملأون العشوائيات فى داخل مدننا و عاصمتنا القاهرة ..
أنقذونا من هجوم لرجال فاض بهم الكيل و لم يستطيعوا إسكات صرخات أطفالهم الجوعى .. و زوجات تبيع أجسادها لتوفير لقمة العيش .. و لا يملك الزوج إلا غض البصر .. و إطلاق الأبناء فى الشوارع للسرقة او التسول .. و فى أفضل الأحوال للعمل فى الورش و المصانع الصغيرة التى تآكلت بدورها و تقلصت .. بفعل غزو المنتجات الصينية .
- تذكروا كم أدمت قلوبكم و أنتم تشاهدون أطفالاً فى عمر الزهور يلتحفون أوراق الشجر فى شوارعنا .. تذكروا انه كان فى المحروسة حالة طلاق كل ستة دقائق .. بغير حساب حالات الإنفصال غير الرسمى و المنتشرة بكثافة بين إخواننا المسيحيين ..
تذكروا أن من كان يصلى الفجر حاضراً فى بيت الله يملك فوراً ملفاً فى أمن الدولة و تصيب التحريات جميع أفراد عائلته .. و كان إصلاح صنبوراً للمياة فى كنيسة يستلزم موافقات أجهزة سيادية .. !!
- تعالت الصرخات الأن .. بالجوع و الفقر و قلة ذات اليد .. و تتشكل أفواجاً للجوعى تشبه مجاميع الجراد الذى ينتظر بفارغ الصبر بدء الهجوم ليأكل كل ما يصادفه فى طريقه ..
- لمن لا يعلم .. كان الدخل القومى لمصر سنوياً .. لا يتعدى دخل بلداً صغيرة مثل تايوان فى ثلاثة أيام !!
و من عوائده .. كانت الملايين الثمانين يعيشون فقط على موردين أساسيين .. السياحة .. بفعل أن عوائدها تضخ مباشرة فى فى أيدى العاملين .. بدون المرور على أجهزة الدولة بإستثناء الضرائب .. و المورد الثانى .. هو تحويلات المصريين العاملين بالخارج .. أما بقية الموارد .. من تصدير البترول و الغاز و قناة السويس و خلافه .. فنحن نعلم أين كانت تذهب ..!
- بعد ستة شهور من قيام الثورة .. لم يستطع المجلس العسكرى الحاكم .. و لا حكومة الثورة .. توفير الأمن و الأمان للبلاد .. و هو الشرط الأساسى لعودة السياحة بكثافة .. خاصة أن الثورة قد صنعت دعايا مجانية لمصر و لشعبها فى كل أرجاء المعمورة ..
و أصبح ميدان التحرير .. على جداول الأماكن الأكثر أهمية فى العالم أجمع !!
أما جموع البلطجية .. فهى جند مجندة لفلول النظام .. يطلقونهم علينا وقتما يشاءون .. و الهدف .. فوضى عارمة و إنقسام بين أفراد الشعب .. و تجويع مقصود ..
أخاف أن تكون عقيدتى الراسخة الأن .. أن إستراتيجية النظام السابق تضاعفت .. و أن الشكوك حول الصفقات السياسية مع ممالك الخليج .. مقابل ضغط الشارع .. أدت إلى قلة الحيلة !!
هل يصعب على جيشنا العظيم .. أن يمسك بهؤلاء بالتعاون مع أجهزة الشرطة .. و المتوفر لديها أسماء أمهاتهم جميعاً ؟
هل يصعب على القضاء المصرى سرعة القصاص من قتلة الشهداء ؟ لكى يعود الأب الذى لا يغادر الميدان حاملاً كفنه و ملابس إبنه الملوثة بدماء الموت إلى داره .. و قد بردت نيران الغضب فى قلبه ؟
فى التحرير .. كان المشهد محبطاً للغاية .. و شاهداً على نجاح إستراتيجية التفرقة و الغضب المتبادل .. فهناك غاب معظم الثوار الحقيقيون .. و إنتشر المواطنون .. الذين باتوا بلا عمل أو مورد .. بل و تحول كل نقاش هناك إلى شجار يصل إلى حد التطاول بالأيادى و الألفاظ الخارجة .
هل أصابكم النجاح فى هذا .. يا من تحتلون سدرة الحكم ؟ أم أنكم قليلى الحيلة ؟
نعم أصابنا الجوع .. و أصاب عيالنا و أهلنا .. و إشتقنا لرغيف يسد الرمق ..
نعم أصبح كل منا يرى أنه وحده من يعلم و الباقون خونة .. و أنه الأولى بحب الوطن و حكمه ..
نعم ننتظر أياماً كريمة سيملؤها الغضب .. بعد أن كانت تفيض بالخير ..
هل أنتم راضون الآن .. ؟؟
لكم أقول .. أن الله لا ينام .. و لكم فى التاريخ عبرة و إعتبار .. و أن مصر لن تموت أبداً .. و أن شعبها جباراً لا يعرف الذل أو المهانة ..
لكم أقول أن الجوع صحة .. و أن الأيادى البيضاء التى أحيت شعب هذا الوطن طوال السنوات الماضية .. ضد كل العلوم الإقتصادية التى كانت دوماً تبشرنا بالإفلاس .. ما زالت موجودة و حاضرة .. و أن كل مصرى أخ لجاره .. فقط تذكروا 25 يناير .
فإن أفاء الله عليكم بحكمته .. و أسبغ عليكم نعمته ..
فأعطونا الأمن و الأمان .. أكفلوا لنا حقوقنا المسلوبة .. ردوا إلينا كرامتنا المغتصبة ..
أعطونا رغيفاً .. لنصنع لنا وطناً .



