الثلاثاء، 27 سبتمبر 2011

بين الماضى و المستقبل .. قراءة فى عقل مصرى .. لا يعى الحاضر !!


سقوط مدوى و مفاجىء لنظام أرهق شعوب المنطقة جميعاً .. و جند كل خبراته و حيله و ألاعيبه فى خدمة دولاً أُخرى .. لست فى حل أن ألقبها بـ ( الأعداء ) .. حيث أن تقاطع المصالح و الخطط المستقبلية .. يخلق عدواً بالتأكيد .. حتى و لو كنت تملك معاهدة سلام معه .. أو تطلق عليه لقب ( الشقيق ) فى تصريحاتك الرسمية .. لكن ما جعلنى أطلق لفظاً آخر غير مسماه المنطقى .. كان غياب أية إستراتيجيات أو تخطيط للنظام السابق تعمل على رخاء البلاد و العباد .. فتفرغوا لملء بطون لا تشبع .. و جيوب مثقوبة ..  تؤدى إلى بنوك الغرب مباشرة .. فأصبح أعداؤنا شركاء لهم  !!

تحول النظام من مجموعة مفترض فيها الوطنية و العمل الدؤوب على إدارة البلاد .. إلى إحتلال كامل .. فاق فى ظلمه .. و غباءه .. كل مآسى تاريخ طويل .. ممتد إمتداد الزمن ذاته .. لشعب داوم على مقاومة بريق جغرافية موقعه الثمين فى أعين الطامعين و دفع من دماء أجيال متعاقبه لبناء حضارة يفخر بها .. رغم الغدر المحيط و الملازم لنشأتنا هنا ..

هنا .. فى وادى النيل ..


 ناصية الدنيا مصر ..

قلب العالم كله ..

 و من يمتلك القلب .. يمتلك تدفق الدماء فى الجسد كله ..

و دماء العالم الحديث أصبحت سوداء .. بلون قلوب الغرب .. دماء لو إنقطعت عنهم .. لفقدوا عروشهم الصناعية التى وهبت الرخاء لشعوبهم .. و لوثت هواء نتنفسه نحن .. بل أجبرونا على شراء منتجاتهم .. حيث أننا ببساطة لا ننتج ..



فتحولنا إلى مستهلكين لبضاعة تغذيها دماء منطقتنا العربية .. و هم بالأصل شركاء فى إستخراجها من أرض نمتلكها ..
أصبحت سلة غذاء العالم .. جائعة .. بفضل مشاريع التنمية الوهمية التى تبناها النظام و عملاؤه ..

لم يكترثوا أبداً لنا .. بل أعتقد بسعادتهم عندما كانوا يتوقعون ثورة للجياع .. لنأكل بعضنا بعضاً .. و يبقون هم وحدهم .. أعتقد بسعادتهم عند غرق العبارة .. و حريق القطار .. و المسرح .. و غرق مئات الشباب يومياً  فى مياه البحر الأبيض الذى تحولت مياهه إلى اللون الوردى بعد ان إختلط بدماء آلاف الشباب المصريين الباحثين عن وطن !!.

تحضرنى آهه مفزعة تملأ صدرى ..



فى الغرب و الشرق الأقصى المتقدم .. يمنعون تصدير المواد الأولية .. بل يعملون على شرائها من الدول النامية  و تخزينها ..   بكل ما أوتوا من قوة و مال ..

هل تعلمون على سبيل المثال .. أن الولايات المتحدة هى أكبر منتج للنفط فى العالم ؟

بدون إطالة ..

قام النظام السابق بالتفريط فى حقول الغاز المصرى للبيع خارجياً بعقود طويلة الأجل .. لن تفلت منها مصر قريباً ..  و كلنا نعلم ذلك بالطبع .. و لكن ما يعلمه القلة .. أننا كنا نقوم بإستيراد السولار لتشغيل محطات الكهرباء .. و نصدر الغاز الذى تقوم معظم دول العالم المتقدم بإستخدامه الأن بديلاً للسولار فى تشغيل المحطات .. !

 ناهيك عن أننى قابلت فى أول أيام الثورة شاباً جاء من قرية صغيرة فى الفيوم .. أتى للمشاركة لأن أهل قريته كانوا يتنازعون أنابيب الغاز بأى ثمن .. بل و يتصارعون عليها .. حيث كانت تأتيهم مائة أنبوبة و هم فى حاجة إلى ألف !!

قام النظام السابق بتصدير الرخام الألاباستر .. فأصبحت الصين تمتلك جبالاً منه الآن .. و تتسابق مصانعها فى تصنيعه لتصديره إلينا مرة أخرى .. و للمعلومة .. الألاباستر المصرى الأصفر لا يوجد مثيل له فى العالم كله ..

قام النظام السابق .. و بالتحديد رشيد محمد رشيد .. حائز جائزة الأوسكار فى التمثيل عن الأعوام السابقة .. بتصدير  ( الخردة ) .. و هى مخلفات المعادن المتبقية بعد عملية التصنيع ..و لمن لا يعلم .. يسمونها فى العالم المتقدم ..  ( عماد الصناعة ) .

هل أُكمل ؟ ..

لا ..

تعترينى المرارة .. و غصة فى حلقى تدفعنى للإنفجار إن أكملت ..

فى قراءاتى القليلة فى تاريخ مصر .. لم أجد زعيماً خائناً فى كل من تولوا عرش المحروسة فى أى عهد من العهود .. إلا إثنان ..
الخديوى توفيق .. أبغضه الله .. و مبارك .. أطال الله فى عمره حتى نراه عبرة لكل الأجيال ..

حتى كليوباترا .. باعت جسدها من أجل مصر .


كان المحتل دوماً ما تؤرقه ليالى القاهرة .. و لا يهنأ أبداً بوجوده جاثماً فوق أرض المحروسة ..

أما مبارك !! أما مبارك !!

فقد كان حالة فريدة فى تاريخنا .. تحول هو و نظامه إلى محتل ( منه فيه ) ..

و لذلك كانت ثورة 25 يناير .. فريدة أيضاً من نوعها ..
لم تشابه ما قبلها فى تاريخ العالم كله من ثورات ..

أستعير تعليق بيرلسكونى .. رئيس وزراء إيطاليا .. زير النساء الدولى ..
: ليس هناك جديداً .. مصر دوماً تما تستطيع تعليم العالم ..
من يمتلك خبرة التعامل مع النساء .. يمتلك حكمة السنين .

خلاصة القول أن ماضى مصر .. و تاريخها الطويل .. قاوم الجغرافيا .. فإنهزم بل و إنسحق مرات ..
و لكنه إنتصر فى النهاية دائماً ..

و فى الوقت ذاته لم يحول فرادة موقعه إلى رخاء ينعم به شعبه .. حتى الآن ..

و على قدر الإحباط المتراكم فى جيناتنا .. كانت الأحلام .. !

فور التنحى .. أطلقت العنان لفرحتى .. رقصت و أولادى و أصدقائى مع الناس فى الشوارع .. أحسست بضحكة نابعة من بُطين القلب .. و لم أحاول إلا أن أستمتع بيوم الإنتصار ..



فى اليوم التالى ..

بدأ عصر الأحلام المصرية فى قلوبنا و عقولنا جميعاً ..

إنبرى كل منا يخرج ما فى وجدانه من إبداع بقى حبيس الزمن ..

تخيلنا دولتنا عظمى فى سنوات قلائل .. رأينا أولادنا يعزفون عن محاولة الهجرة بعد أن أصبح لنا وطناً نملكه ..

رسمنا مستقبلاً عريضاً لكل منا .. على إختلاف مذاهبنا و معتقداتنا ..

أذكر جيداً .. كيف كان الناس فى المحروسة يرسمون بسمة غابت طويلاً على وجوههم .. كيف قاموا بتنظيف الشوارع ..


كيف رسموا ألوان العلم على كل شبر .. كيف تكاتفوا سوياً لمقاومة الخطر المجهول .. فى لجان شعبية جعلتنا سابقة أُخرى فى العالم .. كأول بلد يستغنى عن النظام الأمنى و يحمى نفسه بنفسه ..
















ثم كان كرنفال الحرية أثناء الإستفتاء ( الوهمى ) على مواد دستورية .. هى بالتأكيد لم تكن تمت للثورة بصلة ..
و لكن الأدرينالين كان قد إندفع فى عروق المصريين .. وصار كل منهم فرحاً بصوته .. فتسابق للبحث عن دور .. حُرم منها قصراً طوال حياة معظمهم .

و عندما كنا نحلم .. و الحلم لا يكون إلا أثناء النوم بالطبع ..

كان منا من بقى متيقظاً .. متنمراً .. متحفزاً للقفز إلى أقصى ما يستطيع .. و السقف عال جداً ..

فصحونا فجاة لنرى أنه قد مرت ثمانية أشهر على ثورتنا البيضاء .. و أيادينا  بيضاء أيضاً ..

سادت قلة الحيلة .. فيمن يحكموننا .. فتعالت المطالب الفئوية .. لشعب جائع و يزداد جوعاً و قهراً ..
ثم أمسك كل منا بحجر و أخذ يلقى به فى وجه من يصادفه ..

أصبح كلٌ منا يعتقد أنه الوطنى الوحيد فى بر  المحروسة .. و الباقون خونة .

أما جيش مصر .. فقد أرهقته نزاعات لا طائل منها .. فإنساق وراء مطالب الشعب .. محاولاً إرضاء الجميع .. فى محاولة لإثبات وطنية .. هى فى رأيي المتواضع .. تجرى فى دماء كل مصرى .. و لا تحتاج برهاناً ..

جيش مصر الذى تخيل أن إطلاق النيران على بلطجى .. هى جريمة فى حقه ..!!

جيش مصر الذى أوهمته الآمال به أنه يستطيع رسم سياسات و إستراتيجيات هو أبعد ما يكون عن الدراية بها .. و أبعادها ..

جيش مصر الذى لم يصارحنا مرة .. بما يدور فى عقله .. و ماذا يخطط لنا .. ؟
 و ما هى الضغوط الخارجية الموثقة  و المعروفة لنا جميعاً ..

جيش مصر الذى حاول بشتى الطرق البعد عن نزاعات المجتمع ليبقى حيادياً فى  وطن يغرق !!

جيش مصر الذى حاول الإفلات من الماضى .. فلاحقه القضاء .. ليقطع رئيس المجلس آخر الآمال فى إنتهاء الكابوس الذى إخترق أحلامنا البكر .. و يجيب عن أسئلة غريبة بإجابات أغرب ..


و إلتفت مصر كلها حول قفص حديدى يحتوى رفات الناهبين .. ينتظر .. فقط ينتظر ..


و لا أدرى إن كان كل ذلك مخططاً أم لا ..

فقد قتلتنى الحيرة ..

و كل حدث عارض أو مرتب يحدث فى المحروسة له دوماً تفسيران على الأقل .. أحدهما قبيح للغاية ..

إسألوا أى شاب صغير من المائة ألف الذين قاموا بالثورة فى بادىء الأمر .. ليعلمكم كل الحلول التى تقولون عنها .. سحرية !!
 و لا تملكون عصاها ..

سيقول لكم كل المخططات الخارجية و الداخلية التى تريد إحتواء ثورتنا .. و القضاء على الحلم ..

الحلم المصرى ..

واثقاً من الغد أبقى ..

فالمارد المصرى قد خرج من قمقم القهر و الخيانة .. و لن يستطيع أحداً أياً كان أن يغلق عليه ثانية .. حتى و لو إستعانوا بحيلة قادمة من صفحات ألف ليلة و ليلة ..

و لكن بأى ثمن ؟

بكم من الوقت و المال و الأحلام .. ؟؟

ماذا يجب علينا أن نضحى به ثانية فوق مذبح المستقبل ؟؟

إستفيقوا يا من تحكمون مصر تارة ببذة عسكرية .. و تارة بلباس مدنى ..

فلسوف لن نستعبد بعد اليوم أبداً ..