لا أعلم ماذا كان ينتظر المصريون بالضبط من حديث جنرالات المجلس فى مقابلتهم مع الجميل إبراهيم عيسى ..
و المدعوة منى الشاذلى ؟
أعلم أن فى مقدمتى هذه .. سخرية من توقعاتنا .. و إنحياز لإبراهيم عيسى .. و لكن لكل منا تاريخ ..
و تاريخ عيسى عندى يشفع له الكثير .. فقط تذكروا قضيته أمام مبارك نفسه ..
و الذى تم صدور العفو فيها بأمر سلطانى دعائى .. بعد أن تم قرص أذنه ..
و كتابه الشهير : مبارك عصره و مصره .
كان من القلائل الذين إقتربوا من الخط الأحمر الذى وضعه النظام السابق ..
و تجرأوا على فتح بوابة غموضة .. و جبروته .
و لكن ..
كانت سقطة له أن وافق على هذه المقابلة ( الإنتقائية ) مع شخصية مثل منى الشاذلى لها سقف صنعته بنفسها طيلة سنوات ظهورها على الشاشة الصغيرة ..
فقد تم إختياره .. و هم واثقون من تحجيمه .. و تمت محاورته بطريقتهم هم ..
و الضمان كان فى الفاصل الإعلانى .. و إعادة التوجيه بين الفقرات ..
حتى سؤاله الأخير عن شهادة السيد المشير .. تمت إجهاض الإجابة عنه
بفعل (منى الشاذلى ) عن عمد و ترصد ..
فأحس الرجل أن فى صدره ما لم يخرج .. و فى تساؤلاته ما يجعله يصر على الطرح ..و إستحضار إجابات شافية .. فلجأ إلى الإستعانة بصديق .
الصديق هذه المرة ... كان واقفاً وحده طيلة التسعة أشهر الماضية .. حتى عندما كان مبارك لا يزال متشبثاً السلطة .. فقد إلتزم معاييره الشخصية المثالية فى إلتزام التحقق و البيان .. و المصداقية الشديدة فى التحليل و الإستنتاج ..
كان الصديق هو : يسرى فودة ..
لا يختلف إثنان فى المحروسة على شخصية يسرى فوده .. و إنحيازه التام لوطنه و ثورة أبناؤه .. فضلاً عن صدقه
و أمانته .. اللذان إكتسبهما أيضاً عبر تاريخه ..
أليس لكل منا تاريخ ؟
و لكنه فى بيانه المقتضب .. آثر أن يتجنب المواجهة المقيدة .. و إخفاء الأسباب عن الجمهور العريض ..
و فتح لكل منا باب التأويل ..
قد يكون ذلك رد فعل ذكى .. فكل منا يتخيل الآن أن المجلس حدد له دوائر المناقشات .. و ما يجب أن يتطرق إليه
و مالا يجب أن يمسه ..
و الجميع يصرخ الآن بأن المجلس يخشى الحقيقة .. يخشى علاء الأسوانى الذى تخيلوا أنه أسقط وزارة أحمد شفيق بمقابلة تليفزيونية عبثية .. و فاصل ردح غير مهنى أمام الملايين .
و الحق ..
أننا جميعاً نعرف الحقيقة ..
و لا توجد أية أسرار ..
فقط كنا متعلقين بأمل أن نرى كذبة و نصدقها ..
فكما نحن نعلم الحقيقة جيداً .. فنحن نعلم أيضاً توابع المواجهة ..
الحقيقة أن المجلس يتحكم فى وزارة فاشلة .. مُقيدة .. بدون صلاحيات .. و فى نفس الوقت يحمى وجودها و يصر عليه .. من أجل إستقرار يراه هو فقط .. بينما ترى الجموع أنه تمهيداً للإنفراد بالحكم .
الحقيقة أن المجلس يتخيل أنه يقوم بدور سيسطر على صفحات التاريخ لنقل مصر إلى مشروع نهضة ثالث .. إعترف هو نفسه بفشل المحاولتين السابقتين .. بينما نرى نحن أنه لا نهضة بغير دستور يحميها ..
الحقيقة أن المجلس تورط بمحاكمة إثنى عشر ألفاً من المدنيين فى محاكمات عسكرية .. بينما يغض الطرف عن الإنفلات الأمنى ..
و غياب الشرطة المتعمد بسبب الخوف و التربية .. بينما نرى نحن أن الأمن التام .. المتحضر .. هو أول خطوات نجاح الثورة ..
الحقيقة أن المجلس قتل و دهس عشرات المتظاهريين .. بسبب خطأ احد الضباط ..
أو إنفلات عصبى .. و أنه لن يعتذر أبداً .. أو يعترف بحقيقة ما حدث ..
بينما نرى أنه كان من الممكن درأ كل ذلك .. إذا تم إحقاق الحق ..
و إستيفاء العدل بداية ..
الحقيقة أن المجلس يحاول بكل السبل إثبات وطنيته و إنحيازه للثورة ..
و نحن نرى فى بياناته صوت مرتعش .. يهددنا تارة .. و يستميلنا فى أخرى ..
الحقيقة .. أن المجلس يدير البلاد بطريقة عسكرية .. و نحن ما أحوج إلى سياسة محنكة تعبر بنا هذه الأيام ..
الحقيقة أن المجلس يطلق إنتخابات غامضة .. فخور بنهايتها قبل بدايتها .. إنتخابات دعائية .. ( إستيفاء خانة ) .. لا تدرى معظم فئات الشعب كيفية التعامل معها ..
و لا كيفية الإنتقاء اللوغاريتمى بين قوائمها و أفرادها ..
الحقيقة أن المجلس يُقسم ليلاً و نهاراً أنه يريد ترك السلطة ..
بينما جموع الوطن ترى أنه خائف أن يتركها ..
فهل نحن فى حاجة إلى برنامج تليفزيونى لنستبين كل ذلك ؟
هل نحن فى حاجة إلى أن نستمع لما فى صدورنا بالفعل ؟؟
لا ..
نحن فقط فى حاجة إلى أن يتحدث المجلس بصراحة تامة ..
و أن يستمع إلينا .. لا أن تكون له أذنان من طين و عجين .
فأحد منا لا يزايد على وطنية الجيش ..
كما أننا أيضاً لا نريد من أحد أن يزايد على وطنية أحد منا .
إستفيقوا .. يرحمكم الله .




