الجمعة، 25 نوفمبر 2011

ستة ساعات فى شوارع المحروسة


مساكن شيراتون .. الساعة ١٢ ظهراً .. صلاة الجمعة : 

كظمت غيظى و أنا أسمع الإمام يذم فى الثورة و الثوار .. و يعيب على كل من يسبب الفوضى بالتحرير .. و نظرت حولى لأرى ردود فعل المصلين .. و لم أفهم إن كانوا يسمعون حقاً ما يقال .. أم أنهم نيام .. !!
 فآثرت الإنسحاب فى هدوء .. و قلت لإبنى أننى لن أصلى وراء هذا الإمام .. و عندما نهضت و بدأت أرتدى حذائى ..
 سمعته يتحدث عن الثورة العرابية و أن لورد مش فاكر إسمه إيه قال فى مذكراته : أن المصريين شلة مغفلين لأنهم إنساقوا وراء عرابى .. و أن من فى التحرير يماثلونهم تغفيلاً .. فوجدت نفسى أنفجر صائحاً :
- إتق الله يا شيخ ..إتق الله .. إنزل الأول هناك قبل ما تتكلم  .
و غادرت و الناس كأن على رءوسهم الطير .. و الدم يغلى بكل وريد فى جسدى .

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الساعة ١ ظهراً .. لجنة نقابة المهندسين الإنتخابية - نادى الشمس

الكهرباء منقطعة .. البحث عن الأسماء يدوى .. زحام شديد .. مع رغبة بالذهاب إلى التحرير .. إنطلقت  مسرعاً عندما إكتشفت أننى أحتاج لأكثر من أربع ساعات لأدلى بصوتى .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الساعة١.١٠ .. السيارة .

البرنامح العام ( الراديو ) : صوت مراسل من العباسية يتحدث بنفس طريقة قُدام المذيعين الذين كانوا ينتظرون الرئيس قبل دخوله القاعة فيتحدثون لمجرد ملء الفراغ الزمنى .. و بحماسة ليس لها أى هدف : 

- الآلاف فى ميدان العباسية .. و سيصلون للملايين !!
   و فى التحرير .. الشباب هناك يتنازعون مصر .. هنا صوت الأغلبية .. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الساعة ١.٣٠ ظهراً .. روكسى .

ذهبت لإستطلاع مليونية التأييد للمجلس العسكرى و لمشاهدة سبايدر .. 
فلم أجد و لا مليونية و لا سبايدر .. !!


                                 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الساعة ١.٣٥ ظهراَ .. ميدان العباسية :

مفاجأة مذهلة .. الأعداد غفيرة .. و لجان شعبية تنظم المرور فى آخر الخليفة المأمون .. الهتيفة غير مريحين .. و لكن يوجد 
الكثير من فئات الشعب المختلفة .. و اليافطات و الكثير الكثير من الأعلام .. 


الجيش و الشعب إيد واحدة .. يا مشير يا مشير يا حبيب الملايين ..




يا برادعى يا جبان .. يا عميل الأمريكان .. يا برادعى يا خاربها المشير مش حيسيبها .
إستقرار إستقرار .. مش عاوزينها تولع نار . 
أغلبية عباسية .. الشرعية عباسية .



بالروح بالدم .. خللى التحرير يتلم .

                                    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

الساعة  ٢.٠٥ ظهراً .. جامع الأزهر .

ذهبت لإستطلاع مليونية الأقصى المحشورة فى يوم مزدحم بدوان داع ..
و كل ماوجدته بقية قليلة من المصلين تجمعوا فى صحن الجامع الداخلى .. و شخص ما يتحدث عبر الميكروفون الداخلى .. 
يتحدث عن قضية تهويد القدس .



                                       ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الساعة ٢.١٥  ظهراً .. ميدان التحرير :

عند المدخل من ناحية عبد المنعم رياض .. إستقبلتنى اللجان الشعبية .. فى تفتيش روتينى محكم .. بعدها .. 
إنتابنى إحساس بالضيق الشديد عندما إستقبنى طابور طويل من الباعة الجائلين ..





فإنطلقت كالهارب إلى حيث أنتمى .. 
.. إلى حيث أحب 
إلى ..
.. وسط الميدان ..










تغير المشهد كثيراً .. صحيح أن نصف الوجوه على الأقل غريبة 
.. دخيلة .. و لكننى شعرت بالأمان .. الذى يشوبه بعض القلق .




على ناصية محمد محمود .. وجدت حائط خرسانى عالى .. و يافطات مقترحة لتغيير إسم الشارع .. و فى الداخل تلوح مدرعات الجيش بعيداً .. كفاصل آخر بين الميدان و الوزارة ..






- فى الوسط .. حتى يتجنبون دعاوى التحرش و إدعاءات عليهم بالهمجية .. تم تخصيص مساحة للسيدات :




- لم ينسون الدعابة أبداً .. رغم موجة الإنكسار العامة هناك : 





فى الشوارع الجانبية المؤدية لمحمد محمود .. إنتشرت اللجان الشعبية لحماية الوزارة .. و بعدها بمائة متر .. توجد مدرعات الجيش أيضاً .. و بينهما سكان المنطقة ..




يهتفون سلمية .. سلمية عند  اى محاولة 
للإقتحام .. 
و تناثرت أحاديث عن صدور بيان تكليف الجنزورى بتشكيل الوزارة .. يكسوها الغضب العارم .. و التحدى .




- أنباء عن إجتماع للقوى الثورية بالميدان مساء لمناقشة المستجدات .. و الطلبات التى قدمها الشيخ مظهر شاهين فى خطبته .
- بعض الناس قلقون من مظاهرات العباسية و عما إن كانوا سيزحفون إلى التحرير ؟؟
- الجبهة السلفيةهناك و يوزعون منشورات عن رؤيتهم للخروج من الأزمة .. لا تختلف كثيراً عن مطالبات الميدان ..
و إن إتسمت بعدم مهاجمة المجلس بطريقة مباشرة ..
- الساعة 3.20 ظهراً .. الميدان كله يهتف فجأة : الشعب يريد إسقاط المشير .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الساعة 3.40 عصراً .. العباسية تانى .

أمام جامع النور .. تتناثر أناس غريبة .. أشبة بالمخبرون ..
 يسدون الميدان و يسمحون فقط للسيارات بإستعمال كوبرى العباسية ..
الأعداد تتزايد بشكل ملحوظ .. و إن بدأ الكثير فى المغادرة .. 
مع ملاحظة وجود العديد من سيدات المجتمع الراقى .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الساعة 4.30 .. اللجنة الإنتخابية لنقابة المهندسين بنادى الشمس .. تانى : 

قلت الأعداد .. و معظم من هناك يصوتون لقائمة السيد المهندس / طارق النبراوى .. 
وجود على إستحياء لممثلى الإخوان المسلمين فى أول ظهور لهم بالنسبة لى طول اليوم ..
و هم يوزعون قوائمهم فى حزن و يأس .
أدليت بصوتى أخيراً ..بعد أن جمعوا الرقم القومى لكل الموجودين و أغلقوا اللجنة .
رغم اللوغاريتمات التى واجهتنى فى عملية الإختيار .. حيث أنك تستلم خمسة ورقات .. لتختار منها مالا يقل عن 35 إسماً ..!! 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الساعة 6.30 .. المنزل أخيراً :

- طبق من الملوخية بالفراخ و الأرز الأبيض و الطرشى البلدى ينتظرنى مع زوجتى ..
 إتفضلوا معانا :))

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

عصـر الأحـلام المصـرية



ما بنى على باطل .. فهو باطل ..

الجيش المصرى .. منا و لنا و علينا .. ما يصيبه من خير أو شر يصيبنا أيضاً ..

و لكننى لا أذكر أنه قد تم تنصيبه إلهاً لنا يوماً ما .. من عهد الفراعنة حتى الآن ..

فقط أذكر أن قادته حتى فى أيام الإحتلال .. كانوا يتميزون عن الشعب كله ..
 بشريطة حمراء فوق البنطال ..أو بعصا قصيرة يحملها .. أو ببذة تشريفة .

قبل الثورة .. كانت مؤسسة الجيش المصرى منعزلة عنا تماماً .. دولة داخل دولة ..
لها إقتصادها الحر الخاص .. من مصانع و مزارع .. و محطات تموين بل أن تلك المؤسسة إقتحمت مجال السوبر ماركت .. و ما يفيض منها .. يتم ( بيعه ) للشعب المصرى .. الذى يدفع أجوره أيضاً .. فضلاً عن الأراضى التى يمتلكها و تخضع لسيطرته بطول الوادى و الساحل الشرقى و الشمالى .. التى كانت تتعارض فى معظم الأحيان مع نشاط هيئة التنمية السياحية .. و من فاز بقطعة أرض على الساحل .. كان لا بد قبلها من  إستصدار موافقة الجيش المصرى .

ملحوظة : مصر الدولة الوحيدة فى العالم التى تبيع شواطىء .. الشواطىء ملك الجميع .. إرجعوا إلى الأفلام القديمة فى إسكندرية .. و ستكتشفون أن الشاطىء لا يمكن أن يكون ملكاً لأى من الفنادق ..

قبل الثورة : ميزانية الجيش سرية .. مرتباته سرية .. حتى أن الرقم الواحد الذى يتم تمويل الجيش به كان غائباً .. فلا أحد يعلم حتى الآن .. من أى مورد كان يأخذ الجيش نفقاته .. و الرقم المعروف الوحيد .. هو المليار و الثلاثمائة مليون دولار .. قيمة المنحة الأمريكية السنوية المنصوص عليها فى معاهدة كامب ديفيد .. للتطوير و التحديث .. و كانت تشترط الشراء من المصانع أو الشركات الأمريكية ..
بل أنهم يحددون أيضاً مقترحات و توصيات للمجلس العسكرى .. و الحق .. أن طنطاوى و عنان .. كان متزمتين جداً فى هذا الشأن .. و كان إصرارهم عظيماً على توفير ما يرغبونه هم ..

قبل الثورة : كان الجفاء واضحاً .. بين المؤسسة العسكرية و مؤسسة الرئاسة التى وضعت هدفاً واحداً نصب الأعين و هو التوريث .. و يتضح هذا فى خوف القيادة السياسية من تغيير أى قيادة فى المجلس العسكرى طيلة عشرون عاماً .. فأصبح منصب وزير الدفاع للأكبر سناً على قيد الحياة بين أعضاء المجلس العسكرى .

قبل الثورة .. كانت مرتبات الضباط الصغار .. و إمتيازاتهم قد تقلصت .. و فاز القادة الكبار بقاعدة النصف ..
قاعدة النصف هى قاعدة عرفية لتوزيع المكافآت داخل الجيش .. لن أتحدث عنها .. فهى معروفة لكل متابع .

قبل الثورة : كان الجيش ممنوعاً من التواجد داخل سيناء إلا بما نصت عليه معاهدة كامب ديفيد ..     و القوات المتاح لها التواجد هناك لا تعدو ثمانية و عشرون ألفاً من الجنود .. و بالطبع لجأ الجيش للتواجد بأعداد أكبر عن طريق تنكر أفراده  فى لباس مدنى أو لباس الشرطة المدنية .. مع ملاحظة أن المدرعات و الدبابات .. ممنوع تواجدها بعد منطقة المضائق .

و هذا كان الهاجس الأكبر للمجلس العسكرى .. ماذا سيفعل إن باغتته إسرائيل بالحرب .. و سيناء مكشوفة .. و لكن القيادة السياسية الخانعة .. أدت إلى تقويض جهوده و إستراتيجياته .. و هذا يفسر أول مناورة عسكرية لعبور قوات الجيش المصرى لقناة السويس بعد الثورة ..

قبل الثورة .. كان بيت كل عائلة مصرية .. بها صورة لشهيد فى حرب .. أو مصاب ..  أو مجند أو ضابط .

خلاصة القول أن الجيش المصرى قبل الثورة .. كان دولة داخل دولة .. له إقتصاده السرى ..                     و مؤسساته الخاصة  .. يتسلح بوطنية شديدة .. و مزايا لقائديه أكبر .. يتلاحم بالشعب و يفوقه قوة ..
قوة عسكرية تخيف المؤسسة الرئاسية .. تجلت فى ساعات الثورة الأولى .. عندما تم فرض السيطرة حتى على الحرس الجمهورى .. عندما أدار فوهات دباباته إلى مقر الرئيس السابق لما أحاطته جموع الشعب الثائر .
                              
                            و للحديث بقية ..

الاثنين، 14 نوفمبر 2011

علاء عبد الفتاح .. ذكريات ثورة


علاء عبد الفتاح ..

أحسست بأننى قزم أمامه ..

هو من هؤلاء الذين رأيتهم و سرت وراءهم فى 25 يناير ..

غنيت معهم فى حب مصر .. و نحن فى وسط ميدان التحرير ..

حماسهم فائض و يغمر المحيطين .. فتتعجب من أين أتى هؤلاء فجأة ؟

فمن هم فى مثل سنى .. و لو أننى لست عجوزاً كفاية .. إعتادوا الإحباط ..
 و مارسوا الإستكانة كعادة يومية .. و نظروا لمن هم أكبر منهم
فلاموهم على ميراث الذل و المهانة .. و إتهموا من دونهم سناً بالسطحية و البلاهة ..!!

و عندما أتى هذا اليوم المشهود ..  فى الخامس و العشرين من يناير .. ذهبت إلى الميدان لأشاهد ما يجرى .. فرأيت أجمل باقة من الشباب هناك .. تكسو وجوههم طيبة مصرية خالصة .. تتقد عيونهم بلمعة الذكاء ..

 يملكون قلباً حانياً على كل الأطياف .. و عقلاً واعياً مستنيراً يملك أدوات العصر الحديث ..
و يحمل تراثاً أبدياً تميز به عن كل الأمم ..

من أين أتى هؤلاء فجأة ؟

فى أيه غفلة كنت .. عندما كانوا يكبرون ؟

كنت مخطئاً ..

وسطهم أحاطنى الفخر بمصريتى ..
طفح حب بلادى المستكين داخلى طيلة عمرى خارجاً ..
أعطونى نفحة من شبابهم الغض .. فرقصت و غنيت و ضحكت ..

كان كرنفالاً من ألوان قوس قزح .. تجمع ليكون حزمة ضوئية بيضاء صافية .. تنير ظلام السنين ..

 و تبعث أملاً من جديد .. فى قلب كسته الحسرة على الوطن ..
 و ضاعت منه الأحلام على مر السنين ..




و عندما توجست خيفة من سارينة تدق فى الأجواء بعد منتصف الليل .. حاولت تحذيرهم ..
طلبت منهم الهروب الآن .. كانت إبتساماتهم المشفقة علي تظلل وجوههم ..

و عندما بدأت طلقات الغاز تغمر السماء فحولتها إلى سحابة بيضاء كثيفة ..
و جدتهم ينتفضون من حولى فى سرعة رهيبة ..

 و لكن ..

فى إتجاه الخطر .. !!

راحوا يصدون الهجوم .. و كل ما يملكونه .. صدوراً مفتوحة .. و تصميماً لا يهن ..

كانوا يملكون إيماناً مطلقاً بالحرية ..

كانوا يعتقدون بالوطن .

أما أنا .. فقد هربت .. و عندما كنت أنظر وراءى مشفقاً عليهم من هول ما سيلاقون ..
كنت أرى من خلال دموعى المنهمرة بفعل قنابل الغاز .. أسوداً تثب على أفيال عملاقة ..

و لكننى هربت ..

و فى يوم 28 يناير .. بعد قطع كل الإتصالات بالعالم الخارجى و الداخلى ..
كانت آخر معلومة لدي .. أن التجمع بعد الصلاة فى أقرب ميدان كبير ..

كان ميدان روكسى ضالتى ..

مرة أخرى ذهبت لأستبين ما يحدث ..


فرأيت باقة أخرى .. تتشابه فى حلاوة الأوراق .. تتجمع من كل صوب ..

كنت مختلفاً هذه المرة ..

هذه المرة كنت أبتكر بعض الهتافات .. فيرددون ورائى ..

يالفرحتى ..مصر حتفضل غالية عليا .. مصر حتفضل غالية عليا ..

كنت أصرخ فى وجوه الضباط المحيطين بقصر الرئاسة .. ليسمحون لنا بالعبور ..

يا لجنونى ..


من أين أتيت بكل تلك الجرأة ؟


لكن الأعداد لم تكن كافية للإقتحام .. فلم نتعدى الخمسمائة فرد وقتها ..
و الشرفات ملآنة بالمشاهدين ..

صرخ أحدنا : يا أهالينا إنضموا لينا .. يا أهالينا إنضموا لينا ..
و منهم من إنضم .. و منهم من ألقى إلينا زجاجات المياة ..
و منهم من منعته أمه أو زوجته ..

سرنا وسط شوارع روكسى الضيقة حتى نتجنب مواجهة الأمن الذى أغلق كل الطرق ..
حتى وجدنا أنفسنا فى قلب الميدان .. و الشارع الوحيد المتاح للتحرك كان المؤدى إلى جسر السويس ..

و تضاعف العدد مع طول المسيرة مرات و مرات ..

عندما وصلنا جسر السويس .. قادتنا سياسة القطيع إلى الإتجاة المؤدى إلى طريق الإسماعيلية  ..
لا أعلم ما السبب حتى الآن !!

و مع تزايد أعدادنا .. فوجئنا بمسيرة ضخمة أخرى قادمة فى مواجهتنا ..
فتلاحمنا .. و لأن عددهم كان أكثر .. فقد غلبنا إتجاههم العكسى ..
و وجدت المسيرة التى بلغت حينئذ آلاف الشباب .. تتجه إلى روكسى ثانية ..

وقفت حائراً عند التقاطع .. فأنا أعلم يقيناً أن الشرطة ستستبيحنا إن رأت تلك الأعداد ذاهبة فى إتجاه قصر الرئاسة

فهتفت بدون وعى منى أو تفكير : عباسية عباسية ..

وجدتهم جميعاً يرددون ورائى نفس النداء ..

و توجه الحشد فى مشهد جلل .. إلى العباسية ..

و عند إقترابنا من الميدان .. كانت الأعداد تتزايد و تتزايد .. و وجدت نفسى فى منتصف القافلة
 قد أجهدنى السير الطويل .. عضمة كبيرة ..


ثم مررنا أمام وزارة الدفاع .. و رأينا دبابات عملاقة تقف أمام الأبواب .. و جنود مدججون بكامل عتادهم .. 
أدركت ساعتها أن الجيش قرر نزول الشارع .. ففرحت من داخلى .. و فرح الجميع ..
هو جيشنا .. درعنا .. إخوتنا و أبناؤنا ..

حاولت ان أتقدم الصفوف لأوجه القافلة ناحية العتبة حتى لا نعرج فى إتجاه ميدان رمسيس
فيسهل إصطيادنا فى شارع لطفى السيد .. و لكن وقتها كانت الأعداد قد ملأت الأفق ..
و لم أبلغ البداية أبداً .. بل إننى عندما نظرت ورائى ..
 أحسست أن المصريين كلهم نزلوا إلى الشارع ..
و أن الشرفات لا يسكنها غير النساء الكبيرات فقط ..

و ياللعجب .. فى العباسية .. وجدت العشرات من عربات الأمن المركزى ساكنة .. لا تفعل شيئاً ..


و عندما وصلنا قرب ميدان رمسيس فى حوالى الخامسة مساءً ..
كانت رائحة الأسفلت تنضح برائحة الغاز ..

كنت مستعداً هذه المرة .. فأخرجت الكمامة من جيبى و إرتديتها .. و لففت وجهى بالكوفية ..
و كلما زاد إقترابنا من رمسيس .. كلما زادت الرائحة ..


حتى أن الكمامة أصبحت لا تصلح .. و كان واضخاً أن حرباً ما تدور هناك ..
أصوات الطلقات تصم الآذان .. و سحابات الدخان تغطى الأفاق ..


على أعتاب ميدان رمسيس ..

وجدت فى مواجهتى شاباً لا يتعدى عمره الثمانية عشر عاماً .. وجهه مضرج بالدماء ..
أتى إلى مباشرة لا يستطيع الكلام .. فقد بُح صوته ..
حاولت مساعدته بتضميد جراحه .. و لكننى فهمت أخيراً أنه فقط يريدنى أن أعطيه كمامة ..
لم يكن معى غير واحدة أرتديها .. فأعطيتها له .. رفضها .. فأصررت ..
فأخذها منى و عاد مسرعاً من حيث أتى ..

حينها فقط أصابنى الإعياء الشديد ..

تحاملت على نفسى .. حتى وصلت إلى مشارف الميدان .. و كان وجهى يحترق ..
من كثرة ما إستشقت من الغاز..

وجدت عساكر الأمن المركزى يهرولون هرباً أمام الشباب هناك ..
و زادتهم قافلة مصر الجديدة رعباً على رعب ..
فهربوا هروباً حراً فى كل إتجاه .. 

سمعت دوى الرصاص من شارع الجلاء ..
ولكننى توقفت عندما رأيت الشاب الذى أخذ منى الكمامة .. طريح الرصيف ..
 و قد غطت الدماء وجهه و جسده كله ..
و حوله الكثير من الشباب يحاولون إسعافه .. ثم حملوه و إبتعدوا به .. لا أذكر فى أى إتجاه ..
وقتها .. قررت العودة أدراجى ..

و لا أعلم إن كان الخوف او التعب أو مزيج بينهما فعل بى هذا ..

و لكن الشباب ظلوا فى طريقهم .. و أزعم أن الجميع يعرف ما حدث بعدها ..
فبعد قتال مرير مع الخرطوش و الغاز بطول شارع الجلاء .. وصلوا إلى ميدان التحرير ..
وصلوا إلى كعبة الحرية ..

و من ساعتها لم يبرحونه حتى يوم تنحى مبارك .. عندما تركوا الميدان .. 
و تركوا معه أحلامهم أمانة فى أعناق المجلس العسكرى !!

كنت أزورهم كل يوم .. و أذهب ليلاً إلى فراشى الدافىء .. و هم يبيتون بالعراء ..

لا يكترثون إلا بالوطن ..

و الآن .. بعد كل تلك الشهور الطويلة .. تكاثرت الظنون .. و تعددت الإحتمالات ..
و إنطلقت الإتهامات فى كل إتجاه ..

فأتى واحد من تلك الزمرة .. إسمه : علاء عبد الفتاح ..
ليذكرنا جميعاً .. بأن من شارك فى صنع الثورة ..
لن يرضى إلا بتمامها ..
لن يرضى إلا بوطن ..
فإلى كل من ظن فى نفسه قدراً كافياً من الغباء بأنه يستطيع تحدى هؤلاء أو الإلتفاف على طلباتهم المشروعة فى عيش و حرية و عدالة إجتماعية ..

أنظروا إليه ..

وحده حرك العالم بإيمانه و عزيمته ..
 وحده تحدى الآلة العسكرية بجبروتها و قوتها ..
و لكنه فى الحقيقة .. ليس وحده ..

لقد رأيتهم جميعاً ..

هم على نفس الشاكلة ..
 على نفس العقيدة ..
على نفس الروح و الفداء ..

هم جميعاً علاء عبد الفتاح ..

و لكنه أصبح رمزاً لهم .. و لنا ..

رمزاً لثورة لن تهن ..

رمزاً لوطن لن يموت ..

و حرية .. لا بد و أن تكتمل .

علاء عبد الفتاح ..

أحبك جداً ..