الاثنين، 14 نوفمبر 2011

علاء عبد الفتاح .. ذكريات ثورة


علاء عبد الفتاح ..

أحسست بأننى قزم أمامه ..

هو من هؤلاء الذين رأيتهم و سرت وراءهم فى 25 يناير ..

غنيت معهم فى حب مصر .. و نحن فى وسط ميدان التحرير ..

حماسهم فائض و يغمر المحيطين .. فتتعجب من أين أتى هؤلاء فجأة ؟

فمن هم فى مثل سنى .. و لو أننى لست عجوزاً كفاية .. إعتادوا الإحباط ..
 و مارسوا الإستكانة كعادة يومية .. و نظروا لمن هم أكبر منهم
فلاموهم على ميراث الذل و المهانة .. و إتهموا من دونهم سناً بالسطحية و البلاهة ..!!

و عندما أتى هذا اليوم المشهود ..  فى الخامس و العشرين من يناير .. ذهبت إلى الميدان لأشاهد ما يجرى .. فرأيت أجمل باقة من الشباب هناك .. تكسو وجوههم طيبة مصرية خالصة .. تتقد عيونهم بلمعة الذكاء ..

 يملكون قلباً حانياً على كل الأطياف .. و عقلاً واعياً مستنيراً يملك أدوات العصر الحديث ..
و يحمل تراثاً أبدياً تميز به عن كل الأمم ..

من أين أتى هؤلاء فجأة ؟

فى أيه غفلة كنت .. عندما كانوا يكبرون ؟

كنت مخطئاً ..

وسطهم أحاطنى الفخر بمصريتى ..
طفح حب بلادى المستكين داخلى طيلة عمرى خارجاً ..
أعطونى نفحة من شبابهم الغض .. فرقصت و غنيت و ضحكت ..

كان كرنفالاً من ألوان قوس قزح .. تجمع ليكون حزمة ضوئية بيضاء صافية .. تنير ظلام السنين ..

 و تبعث أملاً من جديد .. فى قلب كسته الحسرة على الوطن ..
 و ضاعت منه الأحلام على مر السنين ..




و عندما توجست خيفة من سارينة تدق فى الأجواء بعد منتصف الليل .. حاولت تحذيرهم ..
طلبت منهم الهروب الآن .. كانت إبتساماتهم المشفقة علي تظلل وجوههم ..

و عندما بدأت طلقات الغاز تغمر السماء فحولتها إلى سحابة بيضاء كثيفة ..
و جدتهم ينتفضون من حولى فى سرعة رهيبة ..

 و لكن ..

فى إتجاه الخطر .. !!

راحوا يصدون الهجوم .. و كل ما يملكونه .. صدوراً مفتوحة .. و تصميماً لا يهن ..

كانوا يملكون إيماناً مطلقاً بالحرية ..

كانوا يعتقدون بالوطن .

أما أنا .. فقد هربت .. و عندما كنت أنظر وراءى مشفقاً عليهم من هول ما سيلاقون ..
كنت أرى من خلال دموعى المنهمرة بفعل قنابل الغاز .. أسوداً تثب على أفيال عملاقة ..

و لكننى هربت ..

و فى يوم 28 يناير .. بعد قطع كل الإتصالات بالعالم الخارجى و الداخلى ..
كانت آخر معلومة لدي .. أن التجمع بعد الصلاة فى أقرب ميدان كبير ..

كان ميدان روكسى ضالتى ..

مرة أخرى ذهبت لأستبين ما يحدث ..


فرأيت باقة أخرى .. تتشابه فى حلاوة الأوراق .. تتجمع من كل صوب ..

كنت مختلفاً هذه المرة ..

هذه المرة كنت أبتكر بعض الهتافات .. فيرددون ورائى ..

يالفرحتى ..مصر حتفضل غالية عليا .. مصر حتفضل غالية عليا ..

كنت أصرخ فى وجوه الضباط المحيطين بقصر الرئاسة .. ليسمحون لنا بالعبور ..

يا لجنونى ..


من أين أتيت بكل تلك الجرأة ؟


لكن الأعداد لم تكن كافية للإقتحام .. فلم نتعدى الخمسمائة فرد وقتها ..
و الشرفات ملآنة بالمشاهدين ..

صرخ أحدنا : يا أهالينا إنضموا لينا .. يا أهالينا إنضموا لينا ..
و منهم من إنضم .. و منهم من ألقى إلينا زجاجات المياة ..
و منهم من منعته أمه أو زوجته ..

سرنا وسط شوارع روكسى الضيقة حتى نتجنب مواجهة الأمن الذى أغلق كل الطرق ..
حتى وجدنا أنفسنا فى قلب الميدان .. و الشارع الوحيد المتاح للتحرك كان المؤدى إلى جسر السويس ..

و تضاعف العدد مع طول المسيرة مرات و مرات ..

عندما وصلنا جسر السويس .. قادتنا سياسة القطيع إلى الإتجاة المؤدى إلى طريق الإسماعيلية  ..
لا أعلم ما السبب حتى الآن !!

و مع تزايد أعدادنا .. فوجئنا بمسيرة ضخمة أخرى قادمة فى مواجهتنا ..
فتلاحمنا .. و لأن عددهم كان أكثر .. فقد غلبنا إتجاههم العكسى ..
و وجدت المسيرة التى بلغت حينئذ آلاف الشباب .. تتجه إلى روكسى ثانية ..

وقفت حائراً عند التقاطع .. فأنا أعلم يقيناً أن الشرطة ستستبيحنا إن رأت تلك الأعداد ذاهبة فى إتجاه قصر الرئاسة

فهتفت بدون وعى منى أو تفكير : عباسية عباسية ..

وجدتهم جميعاً يرددون ورائى نفس النداء ..

و توجه الحشد فى مشهد جلل .. إلى العباسية ..

و عند إقترابنا من الميدان .. كانت الأعداد تتزايد و تتزايد .. و وجدت نفسى فى منتصف القافلة
 قد أجهدنى السير الطويل .. عضمة كبيرة ..


ثم مررنا أمام وزارة الدفاع .. و رأينا دبابات عملاقة تقف أمام الأبواب .. و جنود مدججون بكامل عتادهم .. 
أدركت ساعتها أن الجيش قرر نزول الشارع .. ففرحت من داخلى .. و فرح الجميع ..
هو جيشنا .. درعنا .. إخوتنا و أبناؤنا ..

حاولت ان أتقدم الصفوف لأوجه القافلة ناحية العتبة حتى لا نعرج فى إتجاه ميدان رمسيس
فيسهل إصطيادنا فى شارع لطفى السيد .. و لكن وقتها كانت الأعداد قد ملأت الأفق ..
و لم أبلغ البداية أبداً .. بل إننى عندما نظرت ورائى ..
 أحسست أن المصريين كلهم نزلوا إلى الشارع ..
و أن الشرفات لا يسكنها غير النساء الكبيرات فقط ..

و ياللعجب .. فى العباسية .. وجدت العشرات من عربات الأمن المركزى ساكنة .. لا تفعل شيئاً ..


و عندما وصلنا قرب ميدان رمسيس فى حوالى الخامسة مساءً ..
كانت رائحة الأسفلت تنضح برائحة الغاز ..

كنت مستعداً هذه المرة .. فأخرجت الكمامة من جيبى و إرتديتها .. و لففت وجهى بالكوفية ..
و كلما زاد إقترابنا من رمسيس .. كلما زادت الرائحة ..


حتى أن الكمامة أصبحت لا تصلح .. و كان واضخاً أن حرباً ما تدور هناك ..
أصوات الطلقات تصم الآذان .. و سحابات الدخان تغطى الأفاق ..


على أعتاب ميدان رمسيس ..

وجدت فى مواجهتى شاباً لا يتعدى عمره الثمانية عشر عاماً .. وجهه مضرج بالدماء ..
أتى إلى مباشرة لا يستطيع الكلام .. فقد بُح صوته ..
حاولت مساعدته بتضميد جراحه .. و لكننى فهمت أخيراً أنه فقط يريدنى أن أعطيه كمامة ..
لم يكن معى غير واحدة أرتديها .. فأعطيتها له .. رفضها .. فأصررت ..
فأخذها منى و عاد مسرعاً من حيث أتى ..

حينها فقط أصابنى الإعياء الشديد ..

تحاملت على نفسى .. حتى وصلت إلى مشارف الميدان .. و كان وجهى يحترق ..
من كثرة ما إستشقت من الغاز..

وجدت عساكر الأمن المركزى يهرولون هرباً أمام الشباب هناك ..
و زادتهم قافلة مصر الجديدة رعباً على رعب ..
فهربوا هروباً حراً فى كل إتجاه .. 

سمعت دوى الرصاص من شارع الجلاء ..
ولكننى توقفت عندما رأيت الشاب الذى أخذ منى الكمامة .. طريح الرصيف ..
 و قد غطت الدماء وجهه و جسده كله ..
و حوله الكثير من الشباب يحاولون إسعافه .. ثم حملوه و إبتعدوا به .. لا أذكر فى أى إتجاه ..
وقتها .. قررت العودة أدراجى ..

و لا أعلم إن كان الخوف او التعب أو مزيج بينهما فعل بى هذا ..

و لكن الشباب ظلوا فى طريقهم .. و أزعم أن الجميع يعرف ما حدث بعدها ..
فبعد قتال مرير مع الخرطوش و الغاز بطول شارع الجلاء .. وصلوا إلى ميدان التحرير ..
وصلوا إلى كعبة الحرية ..

و من ساعتها لم يبرحونه حتى يوم تنحى مبارك .. عندما تركوا الميدان .. 
و تركوا معه أحلامهم أمانة فى أعناق المجلس العسكرى !!

كنت أزورهم كل يوم .. و أذهب ليلاً إلى فراشى الدافىء .. و هم يبيتون بالعراء ..

لا يكترثون إلا بالوطن ..

و الآن .. بعد كل تلك الشهور الطويلة .. تكاثرت الظنون .. و تعددت الإحتمالات ..
و إنطلقت الإتهامات فى كل إتجاه ..

فأتى واحد من تلك الزمرة .. إسمه : علاء عبد الفتاح ..
ليذكرنا جميعاً .. بأن من شارك فى صنع الثورة ..
لن يرضى إلا بتمامها ..
لن يرضى إلا بوطن ..
فإلى كل من ظن فى نفسه قدراً كافياً من الغباء بأنه يستطيع تحدى هؤلاء أو الإلتفاف على طلباتهم المشروعة فى عيش و حرية و عدالة إجتماعية ..

أنظروا إليه ..

وحده حرك العالم بإيمانه و عزيمته ..
 وحده تحدى الآلة العسكرية بجبروتها و قوتها ..
و لكنه فى الحقيقة .. ليس وحده ..

لقد رأيتهم جميعاً ..

هم على نفس الشاكلة ..
 على نفس العقيدة ..
على نفس الروح و الفداء ..

هم جميعاً علاء عبد الفتاح ..

و لكنه أصبح رمزاً لهم .. و لنا ..

رمزاً لثورة لن تهن ..

رمزاً لوطن لن يموت ..

و حرية .. لا بد و أن تكتمل .

علاء عبد الفتاح ..

أحبك جداً .. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق