الخميس، 24 مارس 2011

حوار مع صديقى المسيحى

- عاوز أرتب نفسى .. إنى أقدر أطلع برة البلد .. أنا و العيال بين يوم و ليلة ..
هكذا بدأ حديثه معى  .. لم يأبه لذهولى من إفتتاحيته المأساوية .. و لا بتمتمتى المتلعثمة .. التى لم يخرج منها حرفاً واحدً صحيحاً .. و إسترسل فى حديثه ..
- الأمور بقت ماتطمنش .. و أنا متعود أفترض أسوأ الإحتمالات ..
عندما تمالكت نفسى بعد إبتسامة بلهاء إحتلت نصف وجهى فقط .. و سألته متهكماً عما يقصده بذلك .. مع أنى بالطبع أفهم جيداً ما يعنيه .. و كأنى أهرب من محاولة الإندماج معه فى حديثه .. و مقصده .. فقد تعودت فى حواراتى أن أتقمص إحساس محدثى .. حتى أستطيع الحكم الجيد على الأمور .. أجابنى ..
- و هو أنا ليه أحارب فى أهلى و أخويا و صاحبى ؟؟ عشان إيه يعنى ؟ ليه بناتى يلبسوا حجاب عشان يمشوا فى الشارع ؟ أنا أقدر أمشى بسهولة من هنا .. بس  ما قلتش إنى ماشى .. أنا بقولك فى أسوأ الإحتمالات .. لازم أكون مرتب نفسى ..

فى محاولة لإستيعاب دوافعه لقرار كهذا .. حاولت الإندماج .. و لم أستطع كلية .. ربما مرارته المبطنه فى كلامه .. ألمتنى كثيراً .. و ربما فكرة رحيلى من بلادى غير واردة الأن  ..

قبل الثورة .. كان كل تفكيرى فى مستقبل أولادى .. هو تأمين هجرة لائقة لهم .. إلى بلاد تحترم آدميتهم .. و تؤمن الحد الأدنى من إنسانيتهم .. اليوم مختلف .. اليوم نثق فى مستقبل أفضل لهم   و لنا .. اليوم نؤمن بحقنا فى الحياة  .. و فى غمرة الأحداث المتلاحقة .. و الأخبار المستفزة المتتالية ..  غفلت أن الإنتصار قد يسرقه من يحاول قهر أصدقائى و بنى وطنى  لمجرد إختلاف دينهم ؟؟ أى أن دينى يحمينى .. ؟!

أنا مسلم  لأبى و لجدى .. أما أكبر جدودى .. فمن المؤكد أنه مسـيحى .. ذو عظمة زرقاء  ..

( العظمة الزرقاء :  أتت التسمية أيام الحاكم بأمر الله الذى أمر  بأن يعلق الأقباط علي رقابهم صليب من الخشب طوله حوالي نصف متر ووزنه خمسة أرطال حوالي 2.5 كيلو، وكان هذا الصليب يعلق في حبل من الليف الخشن فكان خشونة الحبل مع ثقل الصليب تجعل أسفل الرقبة تزرق فكانوا المسلمين يعيروهم بهذا الأمر منادين إياهم يا عظمة زرقا. )

حاولت أن أطرح طرحاً ذكياً يغلق علينا باب المناقشة .. و يهدم توقعه .. فطلبت منه الكف عن هذا الهراء .. فلا يمكن أن نفترض إحتمالاً مستحيلاً .. فأجابنى بأننى لن أستطيع الإحساس بالمشكلة الحقـيقـية التى تترعرع فى الوطن .. لأننى مسلم ! .. لن يقتربوا منى !! لن ينهب ممتلكاتى أحداً .. و لن يتعرضوا لأهلى و أمى  و شقيقاتى .. لن يستحلوا دمـى وعرضـى و شـرفى .. و لن أُرغم على نـبذ ديـنى ..

فقط .. لأننى مسلم !

 و رغم تعجبى ببساطه حديثه و هدوءه .. بما يتنافى تماماً مع إنسياقه .. فقد تابعه فى إيمان شديد و ثقة حقيقية فى إحتمال حدوث هذا السيناريو المقيت .. تابعه و كأنه  يحادث نفسه .. لا ينتظر منى رداً .. أو تبريراً ..

- ليس لى رغبة فى الإستشهاد إلا دفاعاً عن بلادى أمام غزاة قادمين لإحتلالنا .. لا أرغب أن أكون شهيداً و أنا أدافع عن بيتى و أولادى أمام بنو وطنى .. أستطيع الرحيل بسهولة .. و تجنُب مثل تلك المواجهة المقززة .. غيرى لن يستطيع .. و سيبقى ليجابه قدره .. لن أبقى لأتشكك فيك أو فى أى مسلم أخ لى و صديق .. هذا أكثر مما أستطيع إحتماله !! تستطيع أنت أن تعيش بأمان هنا .. و أكرر .. أن هذا ليس قراراً للتنفيذ الأن .. فأنا حقاً لو كنت أرغب بالرحيل .. لرحلت منذ زمن طويل .. و لكنه مجرد إجراء إحترازى ..

نجح فى إقحامى بداخل غرفة من غرف الجحيم .. أى وطن هذا الذى نستطيع العيش فيه .. و هناك إحتمال لإبادتنا ؟؟ هل عشنا لنرى نازية جديدة ؟ هل يُقتل إنساناً و يستباح لمجرد إختلاف دينه ؟ هل نصبنا أنفسنا ألهة على الأرض .؟؟ هل فقدنا الوعى و الإدراك بديننا و وطنيتنا و قيمنا النبيلة ؟؟

إن كان إسلامى يمنعهم من قتلى .. فلن أبقى بوطن يحاول أن يطرد أولاده لإختلافهم .. و لن أترك أولادى يشـبون وسط التطرف و الغباء .. لا تغتم يا صديقى .. و لا تحزن و لا تهن .. كلنا فى الوطن أقباطاً .. كلنا فى حبه مصريون ..

و لكنه كان أقسى علي مما أتخيل .. و تفوه بكل ما فيه من مرارة : 

- إنت عمرك ما حتحس باللى  باقوله .. لأن عيالك مش متعرضين إنهم يتدبحوا بسبب دينهم !                      

الاثنين، 21 مارس 2011

تأملات وإفتكاسـات فى إدارة الأزمـات



 -  سرت قشـعريرة فى جسـدى كله عندما رأيت الآلاف يصطفون فى نظام و راحة .. أمام لجان الإستفتاء .. و إبتسمت كالأطفال و أنا أرى السعادة تغـمر وجـوه المصطفين   فى رحلتى الطويلة للوصول إلى مكانى فى آخر الطابور .. هل يحدث هذا فى مصر ؟ ..
كان يقف أمامى رجلاً مسناً يرتدى الجلابية الفلاحى .. كنت أكثر سعادة به من سعادتى بالمنتـظرون جـميعاً .. و لم أسـتطع السـيطرة على نفـسى .. و سألته : حتقـول لا و لا نعم يا حاج ؟ - لاحـظوا أنى بدأت طرح الإختيار عليه بما أريده .. بالطبع كان هذا غير مقصوداً – فنظر إلى فى توجس مصحوب بإبتسامة مصرية خالصة و قال : و الله مانا عارف .. سألته : هو إنت عارف الإستفتاء ده على إيه ؟ .. فنفى علمه .. و عندما أثقلت عليه .. و سألته ما اللذى أتى به هنا إن كان لا يدرى ؟ ففاجأنى بإجابته : هما جالـولى إن الإنتـخابات دى مش مزورة ...!
فى إنتظار أولادى الذين إستدعيتهم على عجل .. لا ليستفتوا .. فهم أصغر من ذلك بكثير .. بل ليشهدوا هذا اليوم الذى يبدأ فيه تاريخ الدولة المصرية .. شرحت له ماهية الإستفتاء ببساطة شديدة .. ثم تابعت غلاستى المتناهية و سألته : إيه بقى يا حاج حـتختار إيه بعد ما فهمت ؟
نظر إلى بكل ثقة وقال : حاجول لأ طبعاً .. و دى عاوزة كلام ؟؟؟
بعد ساعتين كاملتين .. خرجت من اللجنة بعد أن أنهيت مهمتى التاريخية .. و وضعت أصبعى فى اللون الفوشية الساخن –  و كنت قد سألت القاضى المشرف على اللجنة إن كان هناك لوناً رجالياً متوافراً .. قبل أن أضع أصبعى فيه .. و أجابنى بأن هذا هو اللون الرجالى ! .. –        فى الخارج كانت زوجتى تنتظرنى بكاميرا ديجيتال لتصويرى مع أصبعى .. و إنتهزت فرصة وجود إثنان من مقاتلى جيشنا العظيم خارج اللجنة لحراستها .. و توسطتهما فى صورة أخرى – لم أحـظى بشـرف التصوير مع دبابة كما هى غالبية شـعبنا – و للـحق .. عندما تلعثمت زوجتى  و تلكأت فى إلتقاط الصورة .. كنت سعيداً للغاية .. فشـعورى بالأمـان فى وسـطهما .. لا يضاهى بشـعور آخـر .. شـعور إفـتقـدته منذ توفى أبى رحمة الله عليه من سـنوات طـوال .. و صـار من حـولى يطـلبونه منى أنا ...!
- فى اليوم التالى .. كانت ساعة الحسم قد إقتربت .. تعالت الأصـوات المتشـائمة فى ( كـتاب الوجـه ) .. و هذا المصطلح هو الترجمة التى تحلو لى للـ ( face book )  .. وحدى أصررت على التفاؤل .. و لا أدرى لماذا وضعت التشاؤم مصاحباً لنتيجة القبول بتعديل الدستور ..  و وضعت التفاؤل مصاحباً للرفض ؟  .. المصريون لا يرضون بالهزيمة و لا يتقبلونها .. تبادر إلى خاطرى سؤال .. ماذا سيحدث إن كانت النتيجة فى إتجاه لا أرغبه .. و لا يرغبه 99.9  % من أصدقائى  و قائمتى فى كتاب الوجه ؟ .. هل يُسمى ذلك هزيمة ؟؟  ألسنا جميعاً فى حب الوطن .. مصريون ؟ و لكن الآخـرون سـوف يُطبـقون على أرواحـنا .. و يعـيدوننـا للخـلف فى وقت نحـتاج فيه أن نقفـز للأمام .. قد يكون ذلك صحـيحاً .. و لكن ماذا فعلت أنا لكى تصادف عقيدتى نجاحاً ؟ فقط أقنعـت الرجل ذو الجـلابية بما أريده .. و قد أتى أمامى صدفة .. و ربما لم يفهم جيداً .. و أتبع إيماءاتى الغير مباشرة لتوجيهه .. !
- كان الفشل ذريـعاً ..  فى الماضى  كان دوماً متوقعاً.. و فى بلاد أخرى .. يسمونه إحباطاً ..!
- أحسسـت بالحاجة إلى نوم عميق .. يريح عقلاً واهياً .. كانت أراؤه  السـياسـة  حبيسة جمجمته فقط  طيلة عمره .. ثم وَجَدت أفكاره و تعليقاته متنفـساً فى ( كتاب الوجه ) أخيراً .. و قد كان هذا أفضل بكثير من آذان الزوجة أو العائلة ..
 قبل الثورة .. كان كل أمل من يكتب ( حالة ) فى ( كتاب الوجه ) .. أن يتلقى العديد من           ( علامات الإعجاب ) و التعليقات المشجعة .. و ينهر كل من يقاطعه .. فهو مشغولُ للغاية !     – لست فى حاجة إلى ترجمة بقية المصطلحات .. فمن قرأ البداية .. يمتلك المفتاح الآن ! –  
- حاولت إستدعاء معشوقة سنوات عمرى الفائـتة .. حتى أهنأ بصحبتها و لو ليـلة .. إفتقدتها كثيراً .. و لكنها لم تأتى أبداً .. ذهبت عنى اللامبالاة بلا رجعة .. لا بد من تأبينها يوماً .. فهى عِشرة السـنين .. قاومت خواطرى الكثيرة .. من أنا حتى أجد حلاً لما ننساق إليه جميعاً ؟؟ 
- أنقذنى صديق أثق به فى ( كتاب الوجه) .. و وجدته متحمساً لفعل شىء ما غير العودة للوراء .. و عندما إقترحت عليه الإنضمام للحياة السياسية .. و الإنخراط فى الشارع .. بدلاً من الإعـتقاد الراسخ عندنا .. أن مصر هى ( كتاب الوجه ) فقط .. سارع بإنشاء دعوة لمجموعة من المثقفين و أصحاب الأراء .. و أتبعته أيضاً و إشتركت بكل حماس فى دعوته .. بل إشترطت عليه التدقيق فى الإختيار .. فالمهمة وطنية .. و الحمل ثقيل .. و لكن .. إنتبهت فجاة .. أننا نفعل ذلك فى            ( كتاب الوجه ) أيضاً .. و كأنه طبق زجاجى أطبق علينا .. نرى من خلاله .. و لا يسمع صوتنا أحداً خارجه .. حتى كتابتى هذه .. لا أدرى من سيقرأها خارج هذا المحيط المغلق ؟؟؟
- عدت إلى قلمى و ورقتى .. علمتنى الحياة .. أن أكتب هدفاً فى البداية .. ثم أرسم الطريق إليه .. كنت نسيت هذا فى تتابع الأحداث و الإنكسارات و الإنتصارات ..
كان الهدف دوما هو مصر .. فى دائرة تتوسط الورقة البيضاء وضعتها .. و أخذت أرسم دوائر كثيرة حولها .. فى داخل كل منها .. فصيل سياسى أو دينى أو خيالى .. و مع كثرة الدوائر ..إتسخ المحيط حول إسم بلادى كثيراً .. و لكن إسم مصر كان هو فقط ما يجذب ناظرى ..
فى محاولة يائسة جذبت ورقة بيضاء أخرى .. و كتبت الإسم السحرى ثانية فى وسطها ..         و عدت للورقة الأولى لإنتقاء من يرقى إسمه ليوضع بجانب إسم بلادى .. مصر .
محوت من ليس له تأثيراً حقيقياً بداية .. ثم أتبعت ذلك بمحو من يريد السلطة و لا يريد خدمة الوطن .. مازالت الورقة متسخة .. محوت التيارات الدينية أخيراً .. مع أنها أقوى من يؤثر فى وجدان البلاد منذ آلاف السنين .. منذ ظهور الإله أمون .. و حتى يومنا هذا ..
لم يتبق كثيراً لأضعه بجانب إسم بلادى .. فقط  ..
الشعب الطيب .. جنود القوات المسلحة .. شباب التحرير .

الاثنين، 14 مارس 2011

أفتح الشـباك و للا أقـفـله ؟


سأضع الجـدل الدائـر حول التصـويت بنـعم أو بـلا حـول التعـديلات الدسـتورية جانـباً ..
و أطـرح سـؤالاً : ماذا نـريد ؟
- نـريد دولة مـدنية ديمقراطـية برلمـانية .. تحـترم حـقوق الإنسـان و تقدس حريته .. و تلزمه بواجـباته تجاه 
  الوطـن و المـجتمع .
- نريد رئيسـاً يستمد شـرعيته من إنتخـاب حـر مباشـر .. مع تقـييد صلاحـياته .. و تقليص مدة الحـكم إلى فـترتين  
 على أقصـى تقديـر .
- نريد القضـاء على الفساد المتسرطـن فى جسـد البلاد نهائياً .. و تهيئة المناخ  العام لإنطلاقة إقتصادية
  و إجتماعية .
- نريد تعليماً حقيقياً لأبنائنا .. نريد رعاية صحية ذات جودة .. نريد قضاءاً عادلاً سريعاً .
- نريد دستوراً كاملاً غير معيباً .. ينظم الحقوق و الواجبات .. و يرسم الخط العام للدولة المصرية .
  و الأن أسأل : هل تقود التعديلات الدستورية المقترحة إلى كل هذا ؟
  الإجابة بالتأكيد ... لا ..
 بغض النظر عن التبحر فى مناقشة بنودها .. فقد ناقشناها جميعاً .. و أزعم أن معظمها لائق .. ما عدا أنها   عندما قننت مدة و كيفية إنتخابات الرئاسة .. تركت صلاحيات الرئيس كما هى .. فى إعتماد على أن من سيأتى سيكون مرغماً ( نفسياً ) على طاعة الشعب .. كما أنها إفترضت عدم الولاء التام لحاملى الجنسية المزدوجة و هذا بالقطع غير صحيح .. فقد تمنى معـظمنا الهجرة  و الهروب خارج الوطن لنحصل على حياة أفضل لأولادنا ..
الخطـة الموضوعة : أن نعتمد هذه التعديلات الجزئية .. ثم يعقبها إنتخابات رئاسية .. تعـقبها إنتخابات نيابية .. ثم يقوم مجلس الشعب .. بتعـيين لجنة من مائة عضو فى خلال ستة أشهر من تكوينه .. و أن تُمنح هذه اللجنة مدة ستة أشهر أخرى لوضع دستور جديد للبلاد .. و أن يُطرح الدستور الجديد للإستفتاء العام فى خلال خمسة عشر يوماً من وضع بنوده ..
أى أن كل دور مجلس الشعب ( المنتخب ) سيكون إنتخاب مائة شخصية لوضع دستور جديد للبلاد !!! مع أن الدستور هو المنظم لكل تلك الإنتخابات !! ناهيك أنه بعد كل هذا .. قد يرفض الشعب الدستور الجديد .. !
وضعنا العربة أمام كل الجياد إذن ..
فما الحل ؟ أفتح الشباك و للا أقفله ؟
- بالطبع لا بد من فتح الشباك على مصراعيه .. لا بد من دخول النور ليبدد الظلام و الظلم الذى عاش فيه الوطن
 أعواماً تناهز أعمار أكثر من نصف شعبنا ..
- لا بد من وضع دستور كامل للبلاد أولاً .. قبل أى إنتخابات .. و لنشكل نحن لجنة المائة ..
- لا يهم بعد ذلك أيه  إنتخابات سوف تسبق الأخـرى .. سواء رئاسية أو نيابية .. فالدستور سيحمينا من سلطة 
  أيهما ..
- للمتخوفين من الجماعات السلفية أو من الإخوان المسلمين أو حتى من فلول الحزب الوطنى .. أمامهم ستة 
  أشهر لتنظيم أنفسهم و أحزابهم لخوض الإنتخابات .. مع ملاحظة بسيطة .. الشعب لم يكن يؤيد مرشحى 
  الإخوان إلا نكاية فى الحزب الوطنى .. فضلاً عن أن جميعهم مواطنون مصريون .. شئنا أم أبينا ..
و لكن كيف سـتُدار البلاد فى تلك الفترة ؟
- الحل بسيط .. و تم طرحه من العديد من مفكرى الدولة .. مجلس رئاسى ثلاثى أو حتى ( خماسى ) .. لا يسمح 
  لأحدهم لاحقاً بالترشح لإنتخابات الرئاسة .. و يضم  القائد الأعلى للمجلس العسكرى .. لإدارة شئون البلاد 
 بالتعاون مع الحكومة الحالية للشريف : عصام شرف .. على أن نعود بالعمل بدستور 1971 كدستور مؤقت للبلاد    
  .. و يستطيع أياً منا تحديد أسماءهم فوراً .. فالقليلون الأن هم من يحظون بالتأييد العام .
سأقول ... لا .. للتعديلات الدستورية .. و لا بد أن تذهب أنت أيضاً  لتشارك أياً كان رأيك .
لن أرهب المستقبل .. فهو أفضل فى كل الأحوال .. و لن أخرج فى مطالب فئوية طال الإنتظار لتحقيقها .. فأنا على ثقة من تلبيتها و أكثر بمرور الأيام .. لن أقترب من ملفات الطائفية بكل أنواعها .. لأننى مؤمن بعدم وجود أيه كراهية او حقد بين المصريين جميعاً .. و سأبقى دوماً متسائلاً و متعجباً ... لماذا لم يتم القبض على صفوت الشريف و زكريا عزمى حتى الأن ؟

الأحد، 13 مارس 2011

زمردة حزين


 ( 1 )

 فى يوم من الأيام كان الطفل الصغير ( حزين ) و لا أحد يعرف لماذا سمى بهذا الأسم ..
حيث لم يكن فى تاريخ عائلته الصغيرة مايبعث على الإطلاق على الحزن أو الأسى اللهم هذه الضائقة المالية الشديدة التى يمربها أبواه الأن .  و لكنهما كانا ميسورا الحال وقت أن رزقا بهذا الطفل . على أية حال كان هذا اسمه .
كان ( حزين ) يلهو بالحديقة الخلفية لمنزله الريفى المتواضع و يقلب بين أوراق الشجر اليابسة المنتشرة بها , عله يجد أى من تلك العظاءات الصغيرة الملونة , فقد كان شديد الولع بمشاهدتها     و هى تفر منة بسرعة فائقة , أو حين يكاد يمسك بواحدة منها فتهرب من بين يديه مخلفة وراءها ذيلاً مرتعشاً فى كفه الصغيرة . فيَعجب ( حزين ) أشد العجب , و يحزن أشد الحزن  , فلطالما تمنى أن تفهم تلك المخلوقات الجميلة أنه  لا يبغى غير صداقتها , و لاينوى إيذائها بأى حال من الأحوال !! و قد حاول أكثر من مرة أن يتحدث اليها بصوت خافت مرة ,أو بنهرها عن الأختفاء بصوت عال مرة أخرى , و لكن لا جدوى .
حتى أنة قد إشتكى لأبيه و لم يقتنع بإجابته  و حديثه الباهت عن الطبيعة و قوانينها . فأى قانون هذا الذى يمنع الحب و الاتصال بين المخلوقات ؟ و لم يزل على محاولاتة هذه حتى جاء اليوم .. فإذا بهذه العظاءة التى يعرفها جيدا , فلطالما شاهدها بألوانها الخضراء المتربة بعض الشىء غير سائر العظاءات ذات اللون الزاهى  , فقد كانت تملك تجاعيد كثيرة بجسدها يدل على كبر سنها , و  كانت تتميز عندة أيضا عن سائرها بأنها لم تلق إليه أبدا بذيلها عند الفرار , ناهيك عن بعض النقاط البيضاء و النقاط السوداء المنتشرة فى جسدها العجوز .
و عندما رآها هذه المرة لم يحاول أن يفزعها , بل إنه قد انتصب بهدوء فى مكانه و ألقى اليها تحية الصباح بكل أدب , و يا للعجب .. فقد إلتفتت إليه العظاءة بهدوء شديد أيضا , حتى أنه قد تجمد مكانة حين لم يرها تهرب كعادتها , و تردد كثيرا , ماذا يفعل أو يقول , أو حتى يصمت ؟ فهدته نفسه إلى الإبتسام و هو يحدق فى عينيها بتركيز شديد , و يا للعجب مرة أخرى , فقد كان يستطيع أن يقسم أنه رآها ترد إليه إبتسامته بأخرى , حتى أنه رأى أسنانها المرصوصة الصغيرة كسكين تقطيع الخبز , و لسانها المقعر القبيح داخل فمها , و عيناها تكاد تنطق بكل الحب والحنان تجاهه !! ثم إنها لم تهرب فحسب بل انها وقفت على قدميها الخلفيتين و ذيلها الطويل , ثم نظرت إليه مرة أخرى , و لكن هذه المرة بنظرة جادة .. و عادت لترقد على بطنها زاحفة إلى داخل وكر صغير بين كومة من الحشائش .. و فهم ( حزين ) ساعتها أنها تريد منه أن يتبعها , و رغم تردده مخافة إرهابها فهو لا يستطيع أن يغامر بفقدها هذه المرة , و الوكر لا يبعد سوى خطوات قليلة  عن قدمية  ,  ثم أنه قرر فى النهاية أن يخطو تلك الخطوات الصغيرة بكل الحذر و الهدوء , و قد كادت تختفى كلية داخل الوكر , فهبط جالسا على ركبتيه و أخذ يراقبها و هى تختفى متفحصاً داخل الوكر المظلم عله يرى شيئاً !!
و لكن الظلام كان دامساً بالداخل  , فضلا عن أنه كان  بالكاد يستطيع أن يدخل إصبعا أو إصبعين على الأكثر داخل الوكر , و قد يدمر الوكر كله بحركة كهذه . . فآثر أن يمكث مكانه لا يتحرك ,
و حبس أنفاسه قدر المستطاع ,  أراد أن يخرس حتى صوت النسيم و فحيح أوراق الشجر اليابس , و لكن النسيم لا يأتمر بأمانينا , و أوراق الشجر أيضا , قد تكون تلك من قوانين الطبيعة التى حدثه أباه عنها , و بينما هو فى تفكيره العميق , لا يدرى كم مر من الوقت و هو لا يستطيع أن يسمح لنفسه حتى برمش العيون , مسلطا كل حواسه على تلك الفتحة الصغيرة , و ظن أن الزمن قد توقف او تلاشى , حتى باغتته العظاءة العجوز فجأة بالظهور مرة أخرى , و أخرجت رأسها الأخضر خارج الوكر , فتهلل وجهه و قد كانت أول حركة يفعلها منذ أن أختفت , ولكن سرعان ما خاب رجاؤه , فقد إرتعبت العظاءة عندما رأته قريباً للغاية من الوكر و إختفت داخله مرة أخرى فى لمح البصر , إنتابته موجة من اليأس , و خيبة الأمل , عادت للظهور مرة أخرى , و هذه المرة يستطيع أن يقسم بأغلظ الأيمان بأنها إبتسمت إبتسامة ثانية , بل ان هذه الإبتسامة أكبر و أوضح من السابقة , ثم دخلت إلى الوكر بهدوء و طمأنينة هذه المرة .. فكاد أن يجن مما رآه  , فأخذ يتحسس وجهه و يداه و جسده عله فى حلم لا يلبث أن يصحو منه على صوت أمه   و كوب اللبن الدافىء و ملعقة العسل , و لكن كل شىء حقيقى أمام عيناه , و هذه العظاءة لم تهرب منه  , و لم تفزع حين رأته جاثياً على ركبتية عند حافة الوكر , بل إنها إبتسمت له أيضا , شىء غريب , و مازال يحادث نفسة حتى لمح ضوءا خافتاً يأتى من الوكر . فأخذته اللهفة  
 و الفضول , ثم لم يلبث أن أخذ النور الخافت  يقوى شيئا فشيئا , و أخذته الرهبة عندما شاهد العظاءة العجوز , تخرج من الوكر
و فى فمها حجراً أخضر اللون مثلها , و لكنه يصدر بريقاً أخاذاً , كبريق الزجاج , ثم أخذت العظاءة تقترب منه رويداً رويداً حتى ألقت الحجر بين فخذيه ثم وقفت على أرجلها الخلفيتين
و ذيلها الطويل , و أخذت تتحسس الهواء بلسانها الطويل فى كل إتجاه , ثم نظرت مباشرة فى عينية , وهذة المرة لم تبتسم فحسب , بل إنها قهقهت عالياً حتى إنه إرتعب و سقط مغشيا عليه من فرط رعبه , بينما فرت العظاءة أيضاً عند سقوطه و إختفت داخل الوكر .
و عندما أفاق , كان مازال على رعبه السابق و أخذ ينظر حوله محاولاً الوقوف حتى آلمه شيئاً
فى ركبته عند إستناده عليها , فأزاح ركبته فوجد الحجر الأخضر الصغير اللامع  تحته مباشرة .. فأخذ ينظر إلية تارة و ينظر إلى فتحة الوكر تارة أخرى , تملكه كل الخوف من هذه العظاءة العجوز الضاحكة !!  و هو يريد أن يمسك بالحجر و لكن خوفه يمنعه حتى قرر فى النهاية أن يمسك به سريعا و يجرى بعيدا عن الوكر , و حين هم بهذا , و بمجرد أن أمسك بالحجر , إنفجر ضوءا باهرا أخضر اللون فى المكان كله فألقاه من يده سريعا و إنطلق يعدو حتى إختبأ وراء الشجرة الوحيدة الموجودة بالفناء , و أخذ يرقب الحجر من بعيد و قد خفت الضوء الباهر بمجرد أن ألقاه من يده و لكن بقى منه وميضا قويا , و بريقا أخاذا جعل قلبه الصغير يتعلق به كثيرا ,
و لم يستطع أن يمسك دموعه و هى تنهال على وجهه , لا يعرف لها سببا .
 و لم يستطع أن يمنع نفسه أيضا من أن يتقدم نحو الحجر  ليلتقطه مرة أخرى , فقد أحس بنشوة غريبة لم يحسها قبلا فى حياته الصغيرة من قبل , و فرحة كبيرة لم يتذوقها سابقا , حتى إنه تخيل ساعتها أن جوفه قد أضاء كله بهذا النور الأخضر الزاهي , و لكنه لا يستطيع تأكيد ذلك , فليكن ما يكن , و ليمسك به مرة أخرى , و لكنة لن يفلته من يديه هذه المرة , و سوف يتمسك به قدر ما يستطيع , و يتلذذ ثانية بهذه النشوى التي أحسها و الفرحة التي غمرته ,و صار يتقدم بثبات نحوه , و ما ان إلتقطه حتى غمر الضوء الأخضر المكان كله و شاع فى كل الأرجاء , ظن أن العالم تغير لونه  الباهت إلى لون آخر ناضر جميل , ثم أخذ ( حزين ) يتفحصه بين يديه ,
و أخذ يحدث الحجر هامسا , و متسائلا عما يعرف عن كل هذا
و كيف أنة كان يتمنى أن يصادق عظاءة , فإذا بواحدة تبتسم له و تعطيه هدية أيضا . و قد قرر أن يطلق عليه اسما , فلم يفكر كثيرا حيث أتى الإسم سريعا على لسانه ( زمردة ) , و أخذته اللهفة لإخبار أمه بما حدث , و ( زمردة ) بين يديه خير دليل على صدق روايته , وأمه تعرف أنه لم يكذب أبدا عليها , فلابد أن تصدقه و تؤيده فهو يريد أن يخبر العالم كله . فأخذ يعدو فى إتجاه المنزل لإخبارها ..  و الفخر و الفرحة يصاحبانه , و ما إن إقترب من الباب الخلفى للمنزل حتى توقف فجأة على أثر رؤيته لأمه , تقف مذعورة و مأخوذة من هول ماتراه و كأنها قد رأت إبنها يحترق , ثم لم يدر  إلا و هى تجرى نحوه و هى تناديه بإسمه ( حزين ) و تسأله عما أصابه ؟ و قد حاول الرد , و لكن هيهات , فهى لم تعطه أى فرصة للإجابة , بل حملته مسرعة إلى داخل المنزل , ثم الى غرفته , و وضعته فى سرير و هى تصرخ و تهذى بكلمات غير مفهومة , و أخذت تتحسس جبهته , و تفتش عن نبضه و تفتح عيناه , و قد لزم ( حزين ) الصمت و بدأ يشك أنه قد أصابه مكروها حقيقيا و هو لا يدرى , ثم أخذ يراقبها و هى تحاول الاتصال بأبيه و تطلب منه الحضور سريعا و هو مطبقا بكل قوة على ( زمردة ) .. ثم عند سماع خطوات أباه تتقدم نحو غرفته و قد كان هذا بعد دقائق قليلة من محادثة أمه , قرر أن يضع
( زمردة ) تحت وسادته و ما أن فعل ذلك , حتى راح الضوء الشديد الذى يملأه , و عندها فطن إلى أن هذا كان سبب إنزعاج أمه و أنة سليم معافى , فقط أمه لا تفهم , و عند ولوج أبيه , كان كل شىء قد إنتهى ,  و هدأت عاصفة أمه المذعورة على إبنها و أخذت تتمتم إلى زوجها بما حدث بينما غرق ( حزين ) فى نوم عميق .

( 2 )

- فى الصباح وجد الأبوان نورا ساطعا أخضر يدخل عليهما فى حجرة الطعام و هما جالسان يتناولان طعام الأفطار , و فى حيرة شديدة إنتابتهما موجة من القلق العارم ثانية على إبنهما , بعد ليلة طويلة  من المعاناة و التناوب بينهما فى ملاحظة ( حزين ) طوال الليل . ثم أصابهما الخدر عند رؤية هذا النور يقترب . حتى تبينوا مصدره و قد دخل عليهما (حزين ) الغرفة و هو مادا ذراعه اليمنى واضعا ( زمردة ) فى راحة يده , والنورالأخضر يملأه و يملأ المكان من حوله ,
و سعيدا للغاية جلس أمامهما , ثم وضع ( زمردة ) على المنضدة , فلم يلبث أن خفت ضوءها قليلا , و فقد هو ضوءه كلية , و قبل ان يسأل أحدهما , بادرهما ( حزين ) بالحديث و أخذ يقص حكايته , بداية من تتبعه للعظاءة العجوز , حتى إهدائها ( زمردة ) له , و الأب و الأم ينظران لبعضهما فى حيرة شديدة و لايستطيعان فى الوقت نفسة تكذيبه , فهو رغم حداثة سنه , لم يكذب يوما , و أيضا أمامها دليلا باهرا عما يقول , ثم لم يلبث الأب أن قام و قبل رأس ابنه و أخبره أن اللة قد أرسل لهم ( زمردة ) فى الوقت المناسب , لإنقاذهم من عثرتهم المالية الشديدة التى تكاد تعصف بعائلتهم , و أن الوقت قد حان ليصبحوا جميعا أغنياء , حان الوقت ليغيروا كل شىء فى حياتهم , بدءا من المنزل الصغير , و مروراً بالسيارة القديمة , حتى أن ( حزين ) يستطيع الأن أن يغير غرفته , و يشترى مايريد من العظاءات الملونة الجميلة التى يحبها , و حمدا لله أن جاء الفرج بواسطة إبنهم الحبيب . ووسط تهليل الأم بما سمعت و إستشعرت تحقيقه , و تأكيد الأب على حديثه بأنه لم يشاهد مثل هذا من قبل , بل و لم يسمع حتى عن حجر كريم يصدر نورا مثل هذا , و أن قيمته لابد أن تكون مرتفعة جدا , فالحجر الكريم نادر للغاية , كان ( حزين ) يتابعهما بقلق و حزن شديدان , و لكن ما سمعه , و مابدا عليهما من سعادة , و أمله فى تغيير غرفته , جعله يستسلم لرغباتهما .
 لم تمض دقائق حتى كان ثلاثتهم يستقلون السيارة , إلى الخارج , حتى وصلوا إلى تاجر المجوهرات المعروف بالبلدة , و محله عبارة عن متحف كبير يحوى ما ندر من التحف
 و المجوهرات و الأحجار الكريمة و المعادن النفيسة , كان هذا المحل مقصد كل أغنياء البلدة , بل أغنياء البلاد المجاورة أيضا , و لم يبذلوا أى جهد فى لفت الأنظار اليهم  فقد كان النور الساطع الصادر من ( زمردة ) و ( حزين ) كفيلا بهذا , فإنبهر الموجودين فى الحال و شكلوا دائرة حولهم , و الأب و الأم مزهوين بالفخر , بينما يتملك كل الخوف من ( حزين ) , حتى إقتحم الدائرة مالك المحل , و أوسع لهم طريقا لمكتبه الفخم .
 و بدون أى معاناة تذكر عرض عليهم مبلغا كبيرا من المال , فقدت الأم الوعى على  أثر سماعه
,  أفاقت بعدها ببرهة و هى تزغرد , أما الأب فقد وافق على الفور بدون أى تفكير , و قد لاحظ مالك المحل أثار الحزن على ( حزين ) , و طمأنه بأنه يستطيع رؤية( زمردة ) فى أى وقت يشاء , و أنه يتفهم العلاقة بينه و بينها , فقد حدث له ذلك كثيرا عندما كان يصطحبه والده إلى المحل و هو صغير , بل جعله أيضا يضعها فى مكان العرض المميز بيده الصغيرة , فقط أزاح المالك القبة الزجاجية الألكترونية , و التى تصدر ضجيجا شديدا عند محاولة السرقة , ووضعها
 ( حزين ) على وسادة من القطيفة السوداء , وخلال تأكيدات المالك له بأنه لن يبيعها إلا لمن يقدرها و يصونها . كان الأب يستلم شيكا بالمبلغ المتفق عليه , وقد بدأ نور ( زمردة ) بالإختفاء بمجرد ان بدأ ( حزين ) فى الابتعاد , و لكن لم يلحظ أحد هذا , فكل الحضور كان يمنى نفسه بالمكاسب التى سيحققها من وراء هذه الصفقة ,  و غادروا و ( حزين ) يحادث نفسه , فقد فهم أخيرا معنى إسمه , و أحس أن ذلك لم يكن بلا سبب !! ففرحته الكبيرة ستذهب من بين يديه , بل  إنه قد سلمها بيده تلك التى إلتقطتها من قبل , و عاجزا , مستسلما , ذهب مع عائلته إلى المنزل ,   و بينما إندفع الأب و الأم الى الداخل لكتابة قائمة التغييرات التى ستطرأ عليهم , توجه ( حزين ) إلى حيث وكر العظاءة العجوز , و كله أمل أن يراها , فقد تطمأنه بطريقة أو بأخرى , و من يعلم فقد تهديه ( زمردة ) أخرى , فجرى نحو الوكر يحذوه الأمل , و قد أعجبته الفكرة ,  و ما أن وصل إلى مكان الوكر و جلس إلى الأرض , حتى أطلت العظاءة العجوز برأسها من الوكر , و أخذت تفتش فى الهواء بلسانها , و مع أن ( حزين ) كان فى مواجهتها  مباشرة , الا إنها لم تحس بوجوده على الاطلاق , ثم خرجت بجسدها كله و صارت تزحف بجوار جدار الفناء ,فانتصب حزين , و سار وراءها  و هو حائر أشد الحيرة , و عقلة لا يهديه إلى شىء على الإطلاق , و عندما أصابه الفتور من لامبالاة العظاءة العجوز له , فقد صرخ صرخة عظيمة يناديها , و بكل السرعة التى مكنها بها  خالقها , إنطلقت إلى الوكر و إختفت داخله , و لكن هذه المرة و بعد أن لحظت ( حزين ) يعدو وراءها لفظت له ذيلها يرتعش بين يديه , و بكل اليأس , أطبق كفه الصغير عليه , فهو لم يتخيل أن تفعل العظاءة العجوز هذا أبدا و  هى لم تفعله من قبل , و لم تحس حتى بوجوده , بينما و بالأمس القريب , كانت تبتسم له , بل و أعطته ( زمردة )  , أين أنتى يا  ( زمردة ) ؟
كان يسأل نفسه عنها و هو يمضى إلى غرفته مطأطىء الرأس متثاقلا , و لم يلتفت إلى نداء أباه و أمه عند مروره بهما بل توجته فورا إلى سريره  , و هما لم يكترثا كثيرا لأمره على أية حال , و نام ( حزين ) حزينا جدا .

( 3 )

فى الصباح , أيقظته أمه بعصبية شديدة على  غير العادة , و هى  تناديه نداءا متتابعا ,
و تبلغه بضرورة إصطحابهما هى و أباه إلى محل المجوهرات الشهير , فالمالك قد إتهمهما بالنصب و الاحتيال , و ( زمردة ) لا تضىء و لاغيره , و هى مثل أى حجر قد نركله بأقدامنا فى الشارع , ليس له أية قيمة , بل إن الناس حسبوه مجنونا ليعرض ( طوبة ) فى وسط المحل , بل فى مكان العرض المتميز به !!! و أخبرته أمه أيضا بشكوك أبيه حول مدى صحة رواية المالك , و أنه فقط , أى ( حزين ) , يستطيع تمييز ( زمردة ) عن غيرها , و سريعا  إنتفض ( حزين ) من مكانه , و سريعا كانت العائلة كلها هناك , بجوار( زمردة ) و ما أن بدأ ( حزين ) بالتقدم إليها , حتى فوجىء الجميع بالنور يغمر المكان كله كالعادة , وسط عجب الجميع , فقد كانت ( زمردة ) مجرد طوبة قبل أن يأتى ( حزين ) , و الأن يسطع نورها  فى الأرجاء , , و قد فتح المالك القبة الزجاجية فى غضب شديد , و مد ( حزين ) كفه الصغيرة , ليلتقط ( زمردة ) و قلبه وعقله يتهللان من الفرح , بينما جسده يضىء كما لم يضىء من قبل , و إنفجر الضوء فى كل مكان عندما وضعها فى كفه , ووسط لعنات المالك , كان الأب يرد  الشيك الخاص بثمن ( زمردة ) إليه
, بينما إحتضنت الأم إبنها الصغير الذى لم يعد حزينا , و الذى ضم ( زمردة ) بيده قويا حتى لتكاد تشعر أنه يريد أن يخبىء ضياءها عن العالم من حوله , فقد أقسم أن تبقى معه طوال الحياة ,
و أن يصطحبها معه فى كل مكان , لا يفارقها أبدا , و عند وصوله إلى المنزل , أسرع مع
 ( زمردة ) إلى وكر العظاءة العجوز , و يا للعجب , فقد اختفى الوكر نهائيا كما لم يكن له أثر من قبل , و لكن من يكترث , فها هى ( زمردة ) بين يديه .


                                                                              ( تمت )

مبروك .. جالك بلد


- إنتفضت من رقدتها .. و صرخت فى وجهه صرخة عظيمة .. جحظت عيناها .. كما لو أن مساً                                                                             أصابها ..  تملكه الهلع الشديد  عندما أمسكت بتلابيبه .. و صرخت مرة أخرى  .. هى كل ما يملك .. قضى طفولته يراها فى حنان أمه .. و فى شبابه تمنى أن يحوزها .. كيف يمكن أن يفقدها الأن و هى بين يديه ؟ .. لامس جديلات شعرها المتعرق بأصابعه المرتعشة .. فزاد صراخها .. بل و سبته أيضاً .. إحتضنها بكل ما أوتى من قوة .. فدفعته بعيداً عنها .. جثا على ركبتيه بجوار مخدعها الضيق .. و إحتضن كفها و قبله قبلة طويلة .. و بكى ..               إرتعش جسده كله خوفاً عليها .. قلبها الرقيق لا يحتمل كل هذا الغضب .. لم تجفف دموعه .. بل أعملت أظافرها فى عنقه .. آهته الخافتة  لم تكن من الألم .. و لا من دمائه التى إلتصقت بأصابعه عندما تحسس موضع الجراح .. لم يأت فى مخيلته أبداً أن تفعل به ذلك .. هى من تسرى فى عروقه سريان دمائه تلك .. و على قدر حبه إليها .. كان ذهوله و هو يتفحصها .. يبحث عن إجابات لآلاف الأسئلة فى رأسه .. و لكنها كانت  قد أغشى عليها قبل أن يتفوه بأول سؤال ..
إزداد هلعه.. و راح يهزها بعنف .. و يناديها .. فلم تجبه بغير حبات من العرق تبلل وجهها .. كأن جفونها أُغلقت على سر الحياة .. نعم .. كان يرى طريقه فى عينيها .. و فرحه فى إبتسامتها .. كانت فخره و إعتزازه الوحيد .. إرتمى على صدرها يتصنت على دقات قلبها .. ولكن أصوات لهاثه كانت أقوى من أن يسمع غيرها .. تحسس نبضها .. فلم تسعفه قوته ..
إرتمى على كرسيه أمامها .. مُصابه كان أجل من قدرته على الإستيعاب .. أصابه شللاً فى كل أنحاء جسده القوى .. بل فى دماغه أيضاً .. كانت دموعه شديدة الملوحة .. و حزنه صار جبلاً يتنامى ليسحق قلبه .. كانت كل أحلامه تموت أمامه ..
خُيل إليه أن شفتاها تتحرك .. جفف دموعه سريعاً ليفسح لبصره طريقاً إليها .. إنه لا يهذى .. شفتاها تتمتم بالفعل .. إندفع فى لهفة الغريق إلى سطح المياه .. و وضع أذنه فى فمها .. فتحولت همساتها إلى صراخ .. بل و إنتفضت مرة أخرى .. و أخذت تلعنه بكل ما فى قاموس لغتها من قاذورات .. و تتهمه بأنه السبب الوحيد لما تعانيه .. لم يفزع هذه المرة .. بل إرتسمت إبتسامة رقيقة على وجهه .. حتى عندما عضته فى ذراعه و أدمته .. لم يكترث بالألم الشديد .. بل أعطاها ذراعه الأخرى أيضاً .. كان قلبه يقفز فرحاً .. حتى عندما جاء هؤلاء فى ثيابهم البيضاء الناصعة .. و أخذوها بعيداً عنه .. لم يفقد إبتسامته و هى تحاول البقاء و التشبث به .. و تناشده مرافقتها .. يشبهون ملائكة تحف بمليكته فى موكب سماوى ..
كان واثقاً من عودتها إليه .. فالروح دوماً فى حاجة إلى جسد .. الأن يدرك حتمية معاناتها .. و معاناته أيضاً .. الآن تضىء كل الأنوار قلبه و عقله ..
لم يمض زمن طويل .. حتى خرجوا بها إليه .. مسجاة بغطاء أخضر على سرير متحرك .. على وجهها إبتسامتها الآمنة المعتادة .. تخلصت من ألمها كله .. و عندما لثم جبهتها .. كانت أصوات صرخات الصغار تملأ المكان .. تحملهم ثلاثة من الممرضات الحسان .. بنتان و ولد .. حصيلة ما أنتجت زوجته الطاهرة .. و عندما كان الفرح يبدأ فى ملء جوانحه .. كان الطبيب يشد على ذراعه و يهنأه ..
- مبروك .. جالك بلد ..
                                                                                    - تمت –
                                                                              10 مارس 2011