الخميس، 24 مارس 2011

حوار مع صديقى المسيحى

- عاوز أرتب نفسى .. إنى أقدر أطلع برة البلد .. أنا و العيال بين يوم و ليلة ..
هكذا بدأ حديثه معى  .. لم يأبه لذهولى من إفتتاحيته المأساوية .. و لا بتمتمتى المتلعثمة .. التى لم يخرج منها حرفاً واحدً صحيحاً .. و إسترسل فى حديثه ..
- الأمور بقت ماتطمنش .. و أنا متعود أفترض أسوأ الإحتمالات ..
عندما تمالكت نفسى بعد إبتسامة بلهاء إحتلت نصف وجهى فقط .. و سألته متهكماً عما يقصده بذلك .. مع أنى بالطبع أفهم جيداً ما يعنيه .. و كأنى أهرب من محاولة الإندماج معه فى حديثه .. و مقصده .. فقد تعودت فى حواراتى أن أتقمص إحساس محدثى .. حتى أستطيع الحكم الجيد على الأمور .. أجابنى ..
- و هو أنا ليه أحارب فى أهلى و أخويا و صاحبى ؟؟ عشان إيه يعنى ؟ ليه بناتى يلبسوا حجاب عشان يمشوا فى الشارع ؟ أنا أقدر أمشى بسهولة من هنا .. بس  ما قلتش إنى ماشى .. أنا بقولك فى أسوأ الإحتمالات .. لازم أكون مرتب نفسى ..

فى محاولة لإستيعاب دوافعه لقرار كهذا .. حاولت الإندماج .. و لم أستطع كلية .. ربما مرارته المبطنه فى كلامه .. ألمتنى كثيراً .. و ربما فكرة رحيلى من بلادى غير واردة الأن  ..

قبل الثورة .. كان كل تفكيرى فى مستقبل أولادى .. هو تأمين هجرة لائقة لهم .. إلى بلاد تحترم آدميتهم .. و تؤمن الحد الأدنى من إنسانيتهم .. اليوم مختلف .. اليوم نثق فى مستقبل أفضل لهم   و لنا .. اليوم نؤمن بحقنا فى الحياة  .. و فى غمرة الأحداث المتلاحقة .. و الأخبار المستفزة المتتالية ..  غفلت أن الإنتصار قد يسرقه من يحاول قهر أصدقائى و بنى وطنى  لمجرد إختلاف دينهم ؟؟ أى أن دينى يحمينى .. ؟!

أنا مسلم  لأبى و لجدى .. أما أكبر جدودى .. فمن المؤكد أنه مسـيحى .. ذو عظمة زرقاء  ..

( العظمة الزرقاء :  أتت التسمية أيام الحاكم بأمر الله الذى أمر  بأن يعلق الأقباط علي رقابهم صليب من الخشب طوله حوالي نصف متر ووزنه خمسة أرطال حوالي 2.5 كيلو، وكان هذا الصليب يعلق في حبل من الليف الخشن فكان خشونة الحبل مع ثقل الصليب تجعل أسفل الرقبة تزرق فكانوا المسلمين يعيروهم بهذا الأمر منادين إياهم يا عظمة زرقا. )

حاولت أن أطرح طرحاً ذكياً يغلق علينا باب المناقشة .. و يهدم توقعه .. فطلبت منه الكف عن هذا الهراء .. فلا يمكن أن نفترض إحتمالاً مستحيلاً .. فأجابنى بأننى لن أستطيع الإحساس بالمشكلة الحقـيقـية التى تترعرع فى الوطن .. لأننى مسلم ! .. لن يقتربوا منى !! لن ينهب ممتلكاتى أحداً .. و لن يتعرضوا لأهلى و أمى  و شقيقاتى .. لن يستحلوا دمـى وعرضـى و شـرفى .. و لن أُرغم على نـبذ ديـنى ..

فقط .. لأننى مسلم !

 و رغم تعجبى ببساطه حديثه و هدوءه .. بما يتنافى تماماً مع إنسياقه .. فقد تابعه فى إيمان شديد و ثقة حقيقية فى إحتمال حدوث هذا السيناريو المقيت .. تابعه و كأنه  يحادث نفسه .. لا ينتظر منى رداً .. أو تبريراً ..

- ليس لى رغبة فى الإستشهاد إلا دفاعاً عن بلادى أمام غزاة قادمين لإحتلالنا .. لا أرغب أن أكون شهيداً و أنا أدافع عن بيتى و أولادى أمام بنو وطنى .. أستطيع الرحيل بسهولة .. و تجنُب مثل تلك المواجهة المقززة .. غيرى لن يستطيع .. و سيبقى ليجابه قدره .. لن أبقى لأتشكك فيك أو فى أى مسلم أخ لى و صديق .. هذا أكثر مما أستطيع إحتماله !! تستطيع أنت أن تعيش بأمان هنا .. و أكرر .. أن هذا ليس قراراً للتنفيذ الأن .. فأنا حقاً لو كنت أرغب بالرحيل .. لرحلت منذ زمن طويل .. و لكنه مجرد إجراء إحترازى ..

نجح فى إقحامى بداخل غرفة من غرف الجحيم .. أى وطن هذا الذى نستطيع العيش فيه .. و هناك إحتمال لإبادتنا ؟؟ هل عشنا لنرى نازية جديدة ؟ هل يُقتل إنساناً و يستباح لمجرد إختلاف دينه ؟ هل نصبنا أنفسنا ألهة على الأرض .؟؟ هل فقدنا الوعى و الإدراك بديننا و وطنيتنا و قيمنا النبيلة ؟؟

إن كان إسلامى يمنعهم من قتلى .. فلن أبقى بوطن يحاول أن يطرد أولاده لإختلافهم .. و لن أترك أولادى يشـبون وسط التطرف و الغباء .. لا تغتم يا صديقى .. و لا تحزن و لا تهن .. كلنا فى الوطن أقباطاً .. كلنا فى حبه مصريون ..

و لكنه كان أقسى علي مما أتخيل .. و تفوه بكل ما فيه من مرارة : 

- إنت عمرك ما حتحس باللى  باقوله .. لأن عيالك مش متعرضين إنهم يتدبحوا بسبب دينهم !                      

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق