الأحد، 13 مارس 2011

مبروك .. جالك بلد


- إنتفضت من رقدتها .. و صرخت فى وجهه صرخة عظيمة .. جحظت عيناها .. كما لو أن مساً                                                                             أصابها ..  تملكه الهلع الشديد  عندما أمسكت بتلابيبه .. و صرخت مرة أخرى  .. هى كل ما يملك .. قضى طفولته يراها فى حنان أمه .. و فى شبابه تمنى أن يحوزها .. كيف يمكن أن يفقدها الأن و هى بين يديه ؟ .. لامس جديلات شعرها المتعرق بأصابعه المرتعشة .. فزاد صراخها .. بل و سبته أيضاً .. إحتضنها بكل ما أوتى من قوة .. فدفعته بعيداً عنها .. جثا على ركبتيه بجوار مخدعها الضيق .. و إحتضن كفها و قبله قبلة طويلة .. و بكى ..               إرتعش جسده كله خوفاً عليها .. قلبها الرقيق لا يحتمل كل هذا الغضب .. لم تجفف دموعه .. بل أعملت أظافرها فى عنقه .. آهته الخافتة  لم تكن من الألم .. و لا من دمائه التى إلتصقت بأصابعه عندما تحسس موضع الجراح .. لم يأت فى مخيلته أبداً أن تفعل به ذلك .. هى من تسرى فى عروقه سريان دمائه تلك .. و على قدر حبه إليها .. كان ذهوله و هو يتفحصها .. يبحث عن إجابات لآلاف الأسئلة فى رأسه .. و لكنها كانت  قد أغشى عليها قبل أن يتفوه بأول سؤال ..
إزداد هلعه.. و راح يهزها بعنف .. و يناديها .. فلم تجبه بغير حبات من العرق تبلل وجهها .. كأن جفونها أُغلقت على سر الحياة .. نعم .. كان يرى طريقه فى عينيها .. و فرحه فى إبتسامتها .. كانت فخره و إعتزازه الوحيد .. إرتمى على صدرها يتصنت على دقات قلبها .. ولكن أصوات لهاثه كانت أقوى من أن يسمع غيرها .. تحسس نبضها .. فلم تسعفه قوته ..
إرتمى على كرسيه أمامها .. مُصابه كان أجل من قدرته على الإستيعاب .. أصابه شللاً فى كل أنحاء جسده القوى .. بل فى دماغه أيضاً .. كانت دموعه شديدة الملوحة .. و حزنه صار جبلاً يتنامى ليسحق قلبه .. كانت كل أحلامه تموت أمامه ..
خُيل إليه أن شفتاها تتحرك .. جفف دموعه سريعاً ليفسح لبصره طريقاً إليها .. إنه لا يهذى .. شفتاها تتمتم بالفعل .. إندفع فى لهفة الغريق إلى سطح المياه .. و وضع أذنه فى فمها .. فتحولت همساتها إلى صراخ .. بل و إنتفضت مرة أخرى .. و أخذت تلعنه بكل ما فى قاموس لغتها من قاذورات .. و تتهمه بأنه السبب الوحيد لما تعانيه .. لم يفزع هذه المرة .. بل إرتسمت إبتسامة رقيقة على وجهه .. حتى عندما عضته فى ذراعه و أدمته .. لم يكترث بالألم الشديد .. بل أعطاها ذراعه الأخرى أيضاً .. كان قلبه يقفز فرحاً .. حتى عندما جاء هؤلاء فى ثيابهم البيضاء الناصعة .. و أخذوها بعيداً عنه .. لم يفقد إبتسامته و هى تحاول البقاء و التشبث به .. و تناشده مرافقتها .. يشبهون ملائكة تحف بمليكته فى موكب سماوى ..
كان واثقاً من عودتها إليه .. فالروح دوماً فى حاجة إلى جسد .. الأن يدرك حتمية معاناتها .. و معاناته أيضاً .. الآن تضىء كل الأنوار قلبه و عقله ..
لم يمض زمن طويل .. حتى خرجوا بها إليه .. مسجاة بغطاء أخضر على سرير متحرك .. على وجهها إبتسامتها الآمنة المعتادة .. تخلصت من ألمها كله .. و عندما لثم جبهتها .. كانت أصوات صرخات الصغار تملأ المكان .. تحملهم ثلاثة من الممرضات الحسان .. بنتان و ولد .. حصيلة ما أنتجت زوجته الطاهرة .. و عندما كان الفرح يبدأ فى ملء جوانحه .. كان الطبيب يشد على ذراعه و يهنأه ..
- مبروك .. جالك بلد ..
                                                                                    - تمت –
                                                                              10 مارس 2011 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق